• مارسيل العيد

إنها آتية

Updated: Nov 8, 2020

رنَّ جرس الهاتف… أهلًا وسهلًا، نعم نحن في المنزل تفضلوا.

هذه كانت كلمات أمي معلنةً عن زيارتهم لمنزلنا، وفي اللحظة التي علمنا بالزائرين أصاب الجميع حالة تأهبٍ قصوى! زوارُنا عائلةٌ نحبها جدًا ونستمتع باللعبِ مع أولادهم، لكن في كلِّ زيارة تحدثُ أمورٌ خارجة عن السيطرة!

هل هي آتيةٌ معهم؟ سألت أختي بارتباك واضح، وكان الجواب كافٍ ليجعلها تركض نحونا وتنقل الخبر …. إنها آتية!!

انتقل الرعب لنا وبدأنا نتراكض في زوايا المنزل … إنها آتية!!

كان اللعب معها أشبه بالحلو والمر! عليكَ أن تَمرّ بمراحل كثيرة ومشاعر متضاربة أثناء وجودها في المنزل. وحتى إن قررت عدم اللعب والإنعزال، هذا لا يعني أنك لن تتأثر بزيارتها، الحارة بأكملها كانت تعلم بزيارتها!

قمنا بترتيب أغراضنا وقد بدأت عقولنا تحبك خطط، وخطط بديلة لتمضي هذه الزيارة بأقل خسائر ممكنة! لكننا نعلم جيدًا أن كلَّ ما نفعله ونخططه بناًء على زياراتها الماضية لن يفيد! فهي ببساطة تتصرف بطريقة غير متوقعة في كل زيارة!

تضحك أمي لتوترنا في محاولة لإقناعنا بأننا نحمّل الموضوع أكثر مما يحتمل، وأننا نحب اللعب معها كثيرًا، وهذا صحيح. لكننا نحاول أيضًا أن نذكر أمي بالدمار الذي تخلفه عاصفة زيارتها لنا، طبعًا أمي تحبها كثيرًا وتنسى أفعالها!

جاء أخي يركض من الشارع والحماسة والرعب واضحًا على وجهه الأسمر وهو يقول: وصلوا .. وصلوا… إنها آتية .. إنها آتية!

كهرباء سرت في ما بيننا، في كلِّ مرة نتمنى لو أنها تغيرت وأننا سننعم بيوم لعب هادىء، لكن من يعلم… هل تفعل هذه المرة؟؟

رحَبَ أهلي بالعائلة والضحك يملئ المكان، كان والدها رجلٌ صاحب نكتة وهو قادرٌ على إضحاك الجميع على أبسط الأمور. لديه موهبة مميزة في إضحاك الكبير والصغير. زيارتهم كانت دائمًا تُدخل الفرح والضحك لبيتنا، ويمرُّ الوقت دون أن يشعر الأهل به… أما نحنُ، فكنا نشعر به!

ها هي تظهر بابتسامة قوية وعينان تلمعان وتمسحان المكان بنظرات سريعة وشقية، وكأن الشرار يتطاير منهما… أو هذا ما نراه نحن!

يبدو واضحًا من هدوئها أنها تعرضت لمحاضرة وجولة تنبيهات بحسن التصرف طوال الطريق، وهذا كان كافيًا حتى نبدأ باللعب معها بسلام ونسينا الماضي وما كان يحدث خلال وما بعد اللعب معها عادًة!

لاحظنا قبل قدومهم أن أمي قامت بإخفاء بعض الأغراض التي تعرض نصفها للكسر في الزيارة الماضية، هذه الفتاة كانت تمشي وبقدرة قادر تسقط الأغراض من خلفها ومن حولها وتتكسر، وهي لا تزال تمشي دون أن تكلّفَ نفسها بالنظر إليها!

يُسمعُ أول صراخٍ بعد ربع ساعة من وصولهم، تركض أمي لتجد شعري محتجزًا بين يديها وقد مُطت عيناي من عزمِ الشّد، وقدماها تثبتان جسدي باتجاه الحائط بينما نحن الإثنتين مستلقيتن على الأرض. أتسائل دائمًا، ما الذي تُشاهده هذه المشاكسة! فحركة الجيدو واضحة إذ استطاعت تثبيتي والسبب هو رفضي مشاركتها بلعبتي التي كانت قد كسرتها سابقًا. بالطبع لم يتدخل أيٌّ من أخوتي، ففي خلاف كهذا التفرج هو قرار عاقل!

لم تأتِ أمي إلا بعد أن أصبحت طبقة صراخي عالية ورفيعة، يتخللها نوبات بكاء. وصلت أمي وفكت العراك الذي لم يكن فعلًا عراك، كان تثبيت وشد من طرفٍ واحد!

أعطتنا أمي محاضرة سريعة لنلعب سويًا، كنت أتمنى أن تثبتها حتى اقتلع لها شعرها لكن أمي كانت تحبّها وشعرها كان قصيرًا!

استمر اللعب لكنني قررتُ أن انعزل وأترك حلبة اللعب الغير متساوٍ، يكفي أنني أهديتها خصلةً من شعري سُحبت معها عندما سحبتني أمي من يديها! لا أريد اللعب… ابتسمت ابتسامًة ظافرًة وكأنها تقول: انتهيت من واحدة، من التالي!

جاء أخي بلعبةٍ محاولًا أن يجمعنا جميعًا بلعبةٍ واحدة، أخي كان هادءًا وعاقلًا. وبما أنه صبي، فهي لن تقدر أن تتعارك معهُ، أو هذا ما اعتقدناه!

سُمعَ صوتُ صراخٍ بعدَ نصفِ ساعةٍ من أول صراخ، هذه المرة كان مزيجً من صراخ بنت وصبي يتخللهُ أصوات صفعات! الجيدو لا ينفع في هذا العراك، فقد استخدم الإثنين، هي وأخي، أيديهما لتبادل الصفعات التي ملئت وجهها ببقعٍ حمراء تبدو مؤلمة. لم يكن شدُّ الشعر واردًا في هذا العراك حيث أن الإثنين لديهما شعرٌ قصير، لكن تم إدخال الأسنان كوسيلةٍ جديدة. كان هناك عضٌّ وصفعات وصراخ أطلقته أختي لتأتي أمي راكضة! كان الإثنان على الأرض منهكان من الضرب لكنها وبحركة سريعة جدًا، ركلت أخي بضربةٍ ساحقة في مكانٍ حساس جعلته يصرخ ويعلن انسحابه من اللعب!

هذه المرة كانت آثارُ العراكِ أكثر من خصلةِ شعر، هناك آثار خمش أظافر وآثار أسنانً على ذراع كلٍّ منهما، مما جعل أمي تقرر حرمنا من اللعب سويًا، وعلينا أن نجلس مع الكبار بهدوء وكلٌّ في زاوية بعيدٌ عن الآخر. بالنسبة لنا، كان هذا الإنقاذ من يديها، لكن بالنسبة لأمي… لست أعلم إن كان الأفضل!

وضعت أمي الحلويات وكانت جلسة جميلة، تخللها مواضيع متنوعة وضحكات للكبار، بينما أطلقَ كلُّ واحد منا تهديداتٍ من خلال العيون، نظراتُ تحدي وتحضير لعراك جديد في حال تمَّ اطلاق سراحنا.

استمتعنا بالحلويات والضحكات، ولكن… أين هي؟ نظرنا حولنا فلم نجدها! يا ترى في أية مصيبةٍ هي الآن، تساءلت أختي وهي تحاولُ لفتَ انتباه أمي لاختفائها، لكن وقبل أن يلاحظ أحدهم، سمعنا صوت تكسير أغراضٍ قادمٌ من المطبخ.

صرخت أمي بإسمها وركض الجميع، كنتُ أريدُ أن أراها تُعاقب لأضحكَ عليها، وأخيرًا شغبها أوقع بها في هذه المصيبة!

في البداية سألها الجميع إن كانت بخير وقاموا بفحصها جيدًا، كانت كالعادة تنظر إلينا بنظرة المنتصر، بالرغم من أنها تعلم بالعقاب الذي ستأخذه عن قريب، لكن لا يهم… هي منتصرة بالفعل!

أراد والدها تأنيبها، لكن أمي تدخلت وهي تحامي عنها: معليش هي طفلة! لكن هذه المرة كان وجهُ أمي قاتمًا مليئًا بالتوتر . والعقاب…..! أن تُحرمَ من زيارتنا لمدةِ شهر وأن تنتهي زيارتهم لنا الآن. ذهبت العائلة ونحن في حالةِ دمار، أغراضُ بيتنا مخربة، لم يبقَ شيء في مكانه، خَسرتُ خُصلًة من شعري، وترك أخي بعضًا من جلده تحت أظافرها وأمي أصيبت بإحباطٍ بسبب الأغراض التي كسرتها!

وبينما نقف على باب المنزل ونودعهم بعيوننا، ونتأكدُ نحنُ الأولاد بأنها ذهبت، تتنهدُ أمي وتقول: اييييه الحمد الله مضت هذه الزيارة على خير!!


0 views0 comments

Recent Posts

See All