الرقم؟

أنا رقم، أو بالأحرى أصبحتُ رقمًا منذُ تَمّ نقلي إلى هذا المقر الجديد. طبعاً كانَ ليَ إسم والآن لم يعد مهماً أن أذكره! قد يكونُ إسمي سامر أو محمد أو فادي أو علي، لكن الآن لم يعد هذا مهم.

تتسائلونَ على الأقل عن رقمي؟ ليتني أعرف، فأنا حتى الآن لا رقمَ لي. ولكن دعوني أخبركم عن مكانيَ الجديد الذي قِيلَ لي أنهُ المكان الذي يحول أسماء الأشخاص إلى أرقام.

المكانُ هنا صغيرٌ وضيقٌ بعضَ الشيء على أربعة أشخاص، لكن قِيلَ لنا أنّ وجودنا هنا وقتيّ! تملئ المكان رطوبة ورائحة غريبة تحمل مزيج من رائحة البشر الممتزجين بالتراب. يتوسط الغرفة مدفئةً بدائيةً جداً تعمل على المازوت، وطبعاً قد يُنسى أمرنا في بعض الأحيان ونبقى أيام بلا تدفئة. أعطتني أمي معطفًا صَنعتهُ من جلد الخاروف الذي ذبحه والدي وعزم أقاربنا على وليمةٍ قبل أن أتركهم. خاطت أمي الصوف من الداخل قائلًة أن هذا سيمنحني دفئً أفضل، وهذا ما كان يحصل أيام “القطيعة” أو عندما يكونُ دوري في تفتيش المارّينَ من منطقتنا. الليلُ هنا لا يختلف عن النهار، فضجّةُ السيارات والعابرين لا تنقطع، بالإضافة إلى أصواتٍ بعيدة قليلاً كنتُ أتمنى أن لا تصبح قريبة!

في قريتنا، كُنت أهرب إلى السطح في الليل وأستمتع بمنظر القمر حتى أنني أكاد أسمعُ صوت موسيقاه من الهدوء الذي يعمّ المكان! أما هُنا فالليل صاخب.

جاءَ قرارُ نقلي إلى مقريَ السابق منذ سنة، ومنذ أن تَمَّ ضمي إلى هذه المجموعة، لم أرى أهلي ولا حبيبتي.

تم التعارف بين أفراد المجموعة، لكن يبدو أنَّ أحداً منا لم يودّ صُنعَ أية صداقات أو يسألَ أسئلًة غير الأسئلة السطحية، حيث أن التنقلات حولنا كثيرة، فما الفائدة؟ كان هذا هو النظام المتّبع هنا، ولم أجد مشكلة في اتّباعه. كان هناك شبابٌ من كل صوب ومن مختلف الطوائف والخلفيات، لكن الشيء الوحيد الذي كان يجمعنا هو صمتنا المتقع خلال الليل.

قد تتسائلون عن مهنتي، أنا خرّيج معهد الفنون الجميلة وكنت أعمل على أول مشروع نحت لي قبل أن يتم استدعائي. أما حبيبتي فهي رسّامة وهي أجمل لوحة رأتها عيناي، تحملُ الجمال الشامي مع الحمصي والقليل من الحلبي.

تم استدعائي بالرغم من أني كنتُ قد أنهيت خدمتي، لكن قِيلَ لي :إننا في حالة تأهب… ومنذُ متى لم نَكن كذالك!

يبدو على الجميع القلق والخوف، لسنا خائفين من شيء نعرفه، لكننا خائفون من الأشياء التي لا نعرفها! سمعنا الكثير عن ما يحصل للذي يقع بين أيديهم ورأينا ما حصل للبعض. ذاتَ يوم، قبضوا على أحد أفراد مجموعتنا ورأينا كيف عذبوه في شريط مصوّر، كانوا يتحدثونَ بلهجةٍ غريبة حتى أني قلتُ لزميلي الذي كان يشاهد معي: هؤولاء ليسوا أبناء البلد، لم أسمع هذه اللهجة الغريبة من قبل!!

مرَّ أسبوع على انتقالي إلى هذه الثكنة الحدودية التي يُعرف عنها أهميتها ومكانها الاستراتيجي، لكن ما تشتهر به هو أن من يدخلها يتحول من إنسان إلى رقم!

 اليوم أنا لازلت إنسان، ولهذا السبب أكتب لكم، لكن عندما أتحول إلى رقم سيكون ذلك إثرَ قذيفة أو هجوم لمسلحين، أو سقوط صاروخ أو إنفجار إحدى الحافلات العابرة من نقطتنا الحدودية، فقط لأن شخص ما قرر أن يُحوّلَ نفسه ويحوّلنا إلى أرقام! هو لا يعلم أننا وهمْ في نظرِ قادتنا وقادتهم مجرّد أرقام تظهر على شاشات التلفاز، ويتم استبدالنا بآخرين وهكذا!

والآن حان دوري في الحراسة الليلية، وإن كنتُ محظوظاً ولم أتحول إلى رقم، سأكمل لكم قصتي.

التوقيع

أنا….

0 views0 comments

Recent Posts

See All