الصندوق السحري

ادخلي، لا يوجد أحد…

قالت أُختي وهي تهمس من داخل غرفة الضيوف في منزل جدي. ركضت إلى الداخل وأنا لا أزال أنظر إلى الممر المؤدي إلى الغرفة خوفًا من ظهور جدتي المتوقع في أي لحظة.

نظرنا نحو درج المكتبة الذي كان يخبئ فيه جدي أمورًا بدت في عيوننا كالسحر، صورًا لزيارته لموسكو حيث كان يسكن خالي الذي نتذكر منه بعض الملامح، رسائل محفوظة في أظرفٍ قديمة، تذكاراتٍ من أصدقاءٍ له، كتاباتٍ يصعب على عقول بناتٍ في الثامنة من العمر فهمها والكثير الكثير من الأغراض القديمة.

بدأنا بحثنا داخل الدرج عن ما هو أهم في نظرنا، كانت الخطة محكمة منذ البداية، ننتظر حتى يفرغ الجميع من وجبة الغداء، ويشربون الشاي الأحمر، وتنتهي جدتي من غسل الصحون، وينعس الجميع، ويميل كلٌ على جنبٍ لأخذ قيلولة الظهر… وهنا فقط نستطيع التسلل إلى غرفة الضيوف والبحث عن كنزنا.

أختي -التي تكبرني بربع ساعة، لكن كان متعارفًا أنها أكبر مني!!- هي من وضع الخطة، فقلبها أقوى من قلبي، وهي لا تخاف وأنا لا أجادل، لذا كوّنا فريقًا جيدًا. بدأنا بالبحث بين الأوراق والصور والمجلدات.. أين ذهب هذا الجهاز السحري؟!

بدأ الوقت يمضي وبدأت قدماي ترجف من مجرد التفكير بدخول جدتي المتوقع بأي لحظة، قلت لأختي وأنا أسحبها من يدها: “هيّا هيّا نذهب سأموت من رعبي إن جاءت جدتي”… الله يعين!!

جدتي لم تكن بالجدة الطاغية، لكنها كانت قاسية بعض الشيء، جدّية وصارمة. في بيت جدي وجدتي هناك قوانين لا يمكن كسرها، وفتح الدرج السحري دون إذنٍ كان من إحدى المحظورات، لكن كمعظم الأطفال، كانت الرغبة بالوصول إلى ذالك الجهاز العجيب أقوى من نظرات جدتي التي كانت كفيلة باختراق أي جدار!

أختي أصرت على البحث أكثر، لم يمضِ على القيلولة وقت طويل، لذا علينا الاستفادة من هذا الوقت. كان كلام أختي منطقيٌّ دائمًا إلا في حالة واحدة، الشغب… هنا كان يتوقف عقلي ويتحول إلى حجر لا يمكن اختراقه.

وافقت على مضضٍ، واستكملنا عملية البحث، لم نجد جهازنا السحري في الدرج… ياترى أين ذهب؟ تساءلنا.

“علينا البحث في المكتبة فوق الدرج” قالت أختي بحزم، وقبل أن أنطق سحبت الطاولة الصغيرة وطلبت مني الإمساك بها حتى لا تقع. كنت أريد أن أبكي من قهري، فقلبي بدأ ينبض بقوة وعقلي يضع جميع الاحتمالات، فماذا لو وقعت أختي؟ ماذا لو سمع جدي وجدتي صوت تلك الوقعة ورأونا؟! لم يكن يهمني أن تتأذى أختي فذلك أسهل على جبانة مثلي من عقاب جدتي الذي كونته واخترعته في عقلي!

بدأت تبحث وبدأت أنا بالنق… “هيا هيا أسرعي”… “اصمتي ستوقظينهم بصوتك”… “سأتركك وأذهب إن لم تنزلي بعد العد إلى العشرة”… “استرجي تتحركي”! عند هذه اللحظة أحسست بيدٍ تمسك بي، نظرت بهدوء إلى الخلف وقد ذهبت مني كل القوة، وإذ بجدي يؤشر لي بيده أن أصمت وعيناه تلمعان من الضحك!

قال جدي: “هل تبحثان عن هذا؟” كان يحمل الجهاز السحري بيده. هذا الجهاز كان يعرض صورًا لأماكن من العالم، ومع كل كبسة كانت تتغير الصور. صندوق الحكايات الخاص بجدي، كان مثيرًا لدرجة القيام بتلك المغامرة.

توقف الزمن على وجه أختي المنصعق من تواجد جدي العجائبي خلفنا، وأنا منكمشة على نفسي وأفكر أنني سألقن أختي درسًا، أما جدي فهزّ برأسه وقال “هذا الجهاز سحري يتبعني أينما أذهب، لذا لا تفكروا أبداً بالوصول إليه بدوني! تعالوا ننظر ما الذي يخبئه هذا الجهاز لكم اليوم.”

رحمك الله يا جدي، ورحم صندوقك العجيب!

0 views0 comments

Recent Posts

See All