• مارسيل العيد

العربة

Updated: Feb 2

تَجرُّ العربة بعينين جافتين كهواء الخريف، يمرُّ بجانبها أُناس من جميع الأشكال والأجناس، تنظر من خلالهم وكأنها لا تراهم وهي على الأغلب لن تراهم مرة أخرى.

تِلك الممّرات تبدو متشابهة الآن، لم تعد تحمل ملامح أول شهر ولا رائحته، حتى صوت العربة الحاد في بعض الأحيان لم يعد يزعجها فقد أصبح جزء من صوت محيطها.

في اليوم الأول من العمل، قالت بأنها ستَدّخر نقوداً لتجمع ثمن بطاقة، وتكون واحدة من المئات الذين يمرّون بجانبها يوميا. لكن وبمرور الزمن، أصبحت الحاجة لسدِّ الفواتير أكبر من حُلمها. وكلّما تعودت على تلك الخطوط المرسومة على الأرض وعلى ضجة العربة، كلما تضاءل حلمها بشراء تلك البطاقة.

هنا، تعرفت على أسماء جميع الدول والعواصم، وأسماء الشركات المحلية والعالمية. هُنا، في هذه البقعة التي يدعونها المطار.

هُناك المسافرُ الذي يصل مبكراً إلى المطار ويبحث عن مكان القهوة، وقد يطلب مساعدتها، وهناك من يركض ويبحث بقلق عن بوابة رحلته وقد يمرُّ بجانبها بسرعة هستيرية دون أن يلحظها. وهناك الأم أو الأب اللذان يجران عربة السفر وعربة الأطفال ويحاولان الوصول إلى أقرب كرسي ليرميا عليه بعضا من الحِمل بينما يقاومان صراخ الصغار.

تم نقلها مؤخراً إلى قسم القادمين، هذا القسم حياة أخرى، هناك من جاء في رحلة عمل ويبدو عليه عدم الإكتراث لجمع المنتظرين، يتجه فوراً نحو اللوحة التي تَحمل اسمه ويحملها سائق الفندق أغلب الظن. وهناك الذي يبدو وكأنه في حالة غيبوبة بعد رحلة طويلة، يبحث عن شيء مألوف، قد يكون وجه إنسان أو مكتب المعلومات أو حتى ماكينة القهوة السريعة ليستعيد توازنه!

أما هوايتها المفضلة فهي مراقبة تلك العيون والرِّقاب المشدودة بطريقة انسيابية يتخللها بعض التوتر والترقب نحو باب القادمين. ترى خيبة أمل في وجوه البعض بينما يُسمع صراخ وضحكات من زاوية ما يتبعه ركض لملاقاة الزوار.

في كل مرّة يُفتح الباب، تُشدّ الرقاب أكثر وترتفع بعض اللوحات التي تحمل أسماء مختلفة، بعضها مألوف لديها والبعض الآخر لم تسمع به قط! في هذه البقعة وأمام هذا الباب تجتمع مشاعر الإنسانية كاملة، الفرح والبكاء والصراخ والأمل والترقب والكثير من القبلات والأحضان.

أحيانا تفكّر، هل قامت بزيارة العالم بينما لاتزال تجرّ عربتها لتجمع بقايا اللقاءات والوداعات في المطار!


58 views0 comments

Recent Posts

See All