• مارسيل العيد

المَرفَع

“لِمَ علينا الذهاب؟؟”

كان هذا السؤال الذي طرحناه قبل يوم من عزيمة “المرفع”! السبب الرئيسي لهذا السؤال ستعرفونه فيما بعد!

أما “المرفع” فهو أسبوع يمتد من الأحد إلى الأحد، حيث يقوم الأهل بتحضير ولائم للعائلة الممتدة. عادةً ضيوف الشرف هم بنات العائلة المتزوجات وعائلاتهم. العزيمة تكون قبل صيام الفصح والهدف من “المرفع” هو التحضير للصيام الذي عادة لا يتخلله أي نوع من أنواع اللحوم “ما يُسمى الزَفَر”، والأهم هو تكريم البنات المتزوجات والجَمعَة الجميلة التي تَجمع العائلة الممتدة.

بعد أن شرحت لنا أمي أهمية الذهاب لحضور المرفع، وخاصة أن هذه السنة ستكون عزيمة نسائية بحتة، فقد تصادف عدم تواجد معظم الرجال من العائلة في القرية، طبعًا أتحدث عن الأزواج، وبالتالي الأبناء تحججوا بأنهم لا يودون المكوث مع تجمّع نسائي، وتهربوا من الحضور!

وَصَلنا إلى بَيتِ جدّي، وكانت العائلة الممتدة مُجتمعة ورائحةُ الطبخِ الزكية قد ملئَت الشارع أمام المنزل. في اللحظةِ التي فُتح فيها الباب تدفقت علينا موجةُ أصواتٍ مختلفة، استطعتُ أن أميّز المتواجدين لكنني لم أستطع أن أفهم القصص التي تشابكت! فهناك مجموعةٌ في المطبخ تُعدُّ الطعام، ومجموعةٌ في غرفةِ الجلوس تقطّع الخضار، والأطفال يلاحقون بعضهم في الَممَر!

 تَستقبِلُنا الابتساماتُ والترحيب، وتَستعجِلنا العيونُ حتى نضع معاطِفنا ونَهمَّ بالمساعدة. كُنا في عمرٍ لا يسمح لنا بالمساعدة في الطبخ، فبنات العائلة يقمن بذلك مع جدتي، لكنني كنت أعلم أن ما ينتظرنا نحن الأحفاد من الجيل الأول بعد الوليمة هو الأهم!

كنتُ أتأمل الصحون والطناجر التي تُستخدم وأحسب الساعات التي سَنقفها بعد الوليمة لغَسلِها. طبعًا أقول هذا بصيغة الجمع لأننا كُنّا تقريبًا أربعة صبايا حفيدات بأعمارٍ متقاربة وناضجة لتَرقى إلى غسلِ الصحون والتنظيف!

 كانت الروائح لذيذة جداً، كلُّ شيءٍ كان مُعدٌ بحب، فبناتُ العائلة يربُطهُنَّ حبٌ كبير مخبئ تحتَ تعبِ الأيام. الوجبة الرئيسية يوم “المرفع” هي الكبّة، وما أدراكَ ما هي الكبّة الحمصية! أمي تقول أن جَمعة الكبّة هي الأجمل، الجميعُ يُساعد وهم يَتبادَلون القصص وآخر الأخبار. فجأة سمعنا صوتَ غناءٍ من جهة خالتي الكبرى، وابتسم الجميع وقالت أمي “حيّك اي هيك أطربينا” وبدأ الجميع بالمشاركة بالغناء ولا تزال أصوات الصغار في الممر تمتزج مع الأغاني.

 وأخيرا بدأنا بالأكل، ولستُ أعلم لِمَ يَصلُ الرجالُ فجأة ًعندما يكونُ الطعامُ جاهزًا! لكنني فهمتُ فيما بعد أنه قد تمَّ الإتفاق على هذا مسبقًا، ففي جَمعةِ النساء هذه لم يكن هناك مكان لهم!

استمتعنا بوجبةٍ رائعة وتذكرنا الغائبينَ عنّا ومن رحلوا والمغتربين وضحكنا كثيرًا، وتحمّس ابن خالتي وأخذ الدربكّة وبدأنا بالغناء من جديد وتعالت أصوات الزغاريد.

 حانَ وقتُ الحلويات، لكن قبلَ هذا، علينا تَنظيفُ الطاولة….. وسادَ الهدوء بينما يحمل الجميع الصحون والصواني إلى المطبخ، في تَرقُبٍ لنرى من سَيتبرّع بأخذِ مكانِ الضحية، التي سَننهالُ عليها بالأواني المتسخة!!

هدوء آخر وهدوء، وفي اللحظةِ التي وَضعتُ فيها تلَّ الصحونِ في حوضِ الجلي، سَمعتُ صوتًا رنانًا جائني مثل ماءٍ مثلّجٍ على رأسي في شتاء شباط: خَلّي عنّك ما تجلي ولو!!

وبهذا أُعلنَ ضمنيًا بأنني سأغسلُ الصحون!

وفجأة عادتِ الحياةُ إلى المطبخ، وعادتِ الأصواتُ والضحك والمناقشات، وأنا أغسلُ الصحونَ وبالتأكيد كنتُ الوحيدة التي لا تَضحك!

 كأنني شعرتُ بوجودي هُناك لساعة أو إثنين أو أكثر! وبدأت أشعر بأن نبع الأواني المتسخة لا يَنضب! وفي كلِّ مرّة تدخلُ إحداهنَّ أسمعُ كلمة: خَلّي عن حبيبتي… وما أن أدير وجهي لأوافق أجدها إختفت! أنا أعلم أنني كنتُ سأفعلُ الشيءَ ذاتَهُ لو أنني مكانهم، وعلى الأغلب فعلتها أكثرَ من مرّة!

انتهى التنظيف، وفرشنا طاولةً من الحلوياتِ الرائعة، المشبّك والعوامات وحلاوة الجبن والشعيبيات المحشية بالجوز أو القشطة البلدية وحلويات أبو اللبن العربية، وتابعنا بَرنامجنا لتلكَ الليلة، الذي تَضمّنَ النُكت والحَزازير والغِناء، ومُقتطفاتٍ من مَسرحياتِ الرحابنة خصوصًا أغنية “سهرة حب” التي توارثناها عن الأهل.

 ليومِ “المرفع” طعمٌ خاص ورائحة خاصّة، بالنسبةِ لي هو يَعني الكثيرَ من الحب ولمّة العائلة والأحفاد.

“مَن يُريد قهوة ومَن يُريد شاي” سَألت خالتي الصغرى، وهذا كانَ لي إعلانٌ للهرب بما أُتيت من قوّة والإختباء حتي تَبتَلي إحدى بناتِ خالاتي بغسيلِ صحونِ الحلويات، بينما أجلبها لها وأقول: خلّي عنك حبيبتي… ما محرزين!

مَرفع مبارك على الجميع وصيام مبارك…. جدتي وخالاتي والعائلة، إشتقت لكم.

0 views0 comments

Recent Posts

See All