• مارسيل العيد

بائع السكاكر

Updated: Nov 8, 2020

بائع السكاكر

اقتربي… اقتربي أكثر يا صغيرة.

نَظرت بعينينِ حائرتين إلى صاحبِ الدُّكان ذو اللّحيةِ البيضاء والوجهِ الأسمرِ الُمجعّدِ بعضَ الشيء، وهو يُعطيها السكاكرَ التي طلبت.

سأُعطيكِ السّكاكرَ إن أعطيتني قُبلةً هُنا، وأشارَ إلى خدِهِ الأيمن. إقتربتِ الطفلةُ وطَبعت قُبلةً سريعةً على خدّهِ وانسحبت للوراء.

ابتسمَ وهو يُداعبُ خدّها قائلًا، أيضًا هذا الخد ياسُكّرة، مشيرًا نحوَ خدّهِ الأيسر. تَرددت الطفلةُ قليلًا وبعدَ إلحاحٍ مِنهُ اقتربت وطَبَعت قبلةً خاطفًة وهمّت بالرجوعِ إلى الوراءِ بسرعة. امسكَ بيدها واقتربَ منها وهو يُلامسُ شفتيها وقال، الآن أريدُ قُبلةً هنا، ووضعَ أصابعهُ على شفتيه!

أحسّت الطفلةُ برعبٌ وقشعريرة تسري بجسدها، بدأت تنسحبُ إلى الوراء وهي تُحاولُ التملّصَ من هذا الطلب، بالرغمِ من أنها لم تَكن تعلم إن كان طَلبهُ خطأ أم صح، هي فقط أحسّت بالخوف!

تراجعت أكثر بينما قام هو بالتودّدِ إليها أكثر قائلًا أنه مثلَ والدها! تعالي أيتُها الجميلةُ… اعطني قبلًة هنا هيّا حتى أُعطيكِ سكاكرك!

تراجعت أكثر وهي تشمُّ رائحةَ نفسهِ الغريبة وتشنّج جَسدُها كالخشبة، أطبقت شَفَتيها بقوةٍ وكأنها لا تُريد أن تفتحهُما أبدًا.

اقتربَ أكثر وازدادت ابتسامتهُ اتساعًا لتكشِفَ عن أسنانٍ أكلها الزمَنُ والدّخان! اقتربَ .. وتَراجعت وهي تُصلّي … واقترب أكثر، أغمضت عينيها متمنيةً الموت، وفجأةً جاءَ صوتٌ من جهةِ مدخل الدّكان قائلًا: عوافي يا معلّم!

في هذهِ اللّحظة، سَحَبت السّكاكرَ من يَدهِ وركَضت بِسرعةِ البَرقِ إلى الخارج، لم تنظر حتّى إلى وَجه مُنقذِها، تمنّت أن يَكونَ قد سمعَ صرخاتِ الشُّكرِ التي أطلقها قلبُها!

 ركضَت في الشارع الضيّقِ المؤدي إلى بيتهم وهي تُفكر مالذي فَعلَتهُ حتّى يَطلبَ منها هذا البائِعُ قبلة؟ هل هناكَ شيء فيها جعلهُ يتعامل معها بهذهِ الطريقة! لم يَكن قلبَها يدُقُ من الركضِ السريعِ بقدرِ ما كانَ يَنتفِضُ من الخوف. ولِمَ الخوف؟ تساءلت وهي تُخفّفُ من سرعة جَريها!

 اقتربت من المنزلِ وهي تُفكر، هل أخبرُ أُمي؟ لكن هي ستعاقبني وتؤنبني، لأنها بالتأكيد كانت غَلطتي. هذا الرجل رجل كبير وصاحبُ بقالة، ولن يطلبَ مني تلكَ القبلات إن لم أكُن قد فعلتُ شيئًا! لا لن أخبرَ أمي ولن أخبرَ أحد! فَكرت الطفلة وهي تَدخل إلى المنزلِ شاردةً دونَ أن تَنظرَ إن كان أحدٌ هناك!

 تساءلت الأم عن سببِ شُحوبِ إبنتها، هزّت الطفلة رأسها وهي تنظر إلى جميعِ زوايا المدخلِ تَهرُّبًا من عينيّ أُمها وقالت، لا شيء! ظهرت لي قطة وأنا في طريقِ العودةِ وأرعبتني…. ماما أنا أكرهُ القطط، لا تجعليني أذهب وحدي في الطريقِ بعدَ اليوم!

 استغربت الأمُّ من طلبِ ابنتها، فهي فتاةٌ منطلقة وجريئة! صحيحٌ أنها تخافُ من القطط، لكن هذا لم يَكن سَبَبًا كافيًا حتى لا تذهب وحدها في تلك القريةِ الآمنة وفي وضحِ النهار.

تملّصت الإبنةُ من تساؤلات أمها، وأسعفها أيضًا دخولُ صديقاتها لزيارتها.

 ما رأيكم أن نذهب لشراءِ البوظة؟ سألت إحدى الفتياتِ ووافقَ الجميع، ما عدا تلكَ الطفلة. أن نشتري البوظة يعني أن نذهبَ لدكانِ ذلك الرجلِ المخيف، وأنا لن أذهبَ هناكَ ثانيةً. تَملمَلَ الجميعُ من قَرارِها ولم يفهموا سببَ رَفضها، رَفضت من جديد قائلًة أنها لا تحب البوظة! عَلت الأصواتُ من حولها ووافقت على مضض!

 بدأ قلبها ينبض، وأحسّت بأنها وحيدةٌ وسطَ ضحكاتِ وصيحاتِ صديقاتها. لن يشعرَ أحدٌ بهذا الخوف الذي ينتابُها، فقط لو أنها تقدر أن تُخبرَ أحدً بما حصلَ معها… لكن لا، تلكَ كانت غلطتها!

وصلتِ الفتياتُ وطلبنَ البوظة، وبقيت هي مختبئةً ورائهنَّ آملًة أن لا يراها البائعُ صاحبَ الإبتسامةِ المبلّلة باللُعابِ والعينينِ الُمرعبتين!

 هل تريدينَ البوظة أم السكاكر يا حلوة؟ جاءها صوتهُ ليسحبَ الدمَ من عُروقها! حاولت أن تتجاهلَ سؤالهُ، لكن صديقتها نكزتها لتجيبَ على السؤال. تلكَ الغبية لا تَفهم، فكّرت والغضبُ ينفرُ من عروقِها وهي تُشيحُ بوجهها نحوَ البائع!

لا أريدُ شيئًا! قالت بصوتٍ مُرتجف. سأُعطيكِ سكاكرَ إذًا، قالَ وقد تأكّدَ أن الفتياتِ منشغلاتٍ بالبوظة ومدَّ لِسانهُ باتجاهِ شفتيه وبحركةٍ سريعة قبّل شفتيها المرتجفتين!

اختلطَ كلُّ شيءٍ أمامها، واندفعَ الدّمُ في عُروقها نحوَ رأسِها، ومن خَوفها صَفعت وجهَ البائِعِ بقوةٍ وهي تَصرُخ، وركضت خارجًا، وركضت .. وركضت حتى وصلت البيت وقد امتلئ وجهُها بالدموع. أحسّت بالضُعف، وتأكدت هذهِ المرة أنه كان خطأها وحَلفت أنها لن تشتري من ذلك المكان أبدًا، ولأول مرّةٍ في حياتها، تمنّت الموتَ لذلكَ العجوز الشرير. ذَهبت إلى غُرفَتها وبَكت وحيدة وهي تُكرّر جملة: الحقُّ عليَّ .. أنا غلطانة!

* إلى كل أب وأم… المتحرشون لايهتمون بالأعمار لذا عّلموا أطفالكم الدفاع عن أنفسهم!


9 views0 comments

Recent Posts

See All