• مارسيل العيد

جنرال حرب

يعيشُ في عالمهِ الخاص وقد نصّب نفسه ملكًا على الجميع، يعرفُ كلَّ شيء ويفهم نفسية كلّ شخص وهو دائمًا على حق. يتربّصُ بهفواتَ الآخرين ليثبتَ نظريته وأفكاره، كلُّ ما يحدثُ حولهُ لا يفاجئهُ تمامًا فهو يعلم أن هذا كانَ سيحصل أو أن ذاك كان سيتصرّف بهذا الشكل!

وجودي في هذِهِ المنطقة والعيشِ مع هؤلاءِ الناس هو تنازل مني!

فكّرَ وهو يلقي نظرةً خاطفة على الجيرانِ الذين تجمعوا في الصباح لتنظيف الشارع، كلٌ يكنسُ ويشطفُ بالماءِ أمام منزلهِ كما جرت العادة. كلُّ بيت ينظف المربع الذي أمامَ منزله وهكذا يصبحُ الشارعُ نظيفًا.

بالنسبةِ له، كان إعطاءُ الأوامرِ هي المشاركة التي يقدمها في هذا العملِ الجماعي، فهو يفهم أكثر من الجميع ومجرد إعطاء الرأي يكفي!

يرتاحُ الجميع ويتبادلون بعض النقاشاتِ السريعة قبل أن يتجهَ كلٌّ إلى عملهِ أو لتحضيرِ طعامَ الغداء. بقي هو في الخارجِ يراقب الجميع بينما اتجهت زوجته لداخلِ المنزل لغسلِ الصحون. أطالَ الوقوفَ خارجًا، فتوجهت زوجته نحو النافذة لتجده واقفًا مختالً منتفخَ الريش، يتأمل نظافةَ مربعهم وينظر إلى ما فعله فوجدهُ حسن! وكأنه أعاد خلق الكون من جديد.

مرَّ ولدٌ في عمر المراهقة في تلك اللحظة، ولسوءِ حظّهِ العاثر رمى بغلافِ قطعةِ الشوكولاتة التي كان يأكلها أمام مملكته! انتفخَ الرجل وكأنّ حجمه قد كبرَ فجأة، وزوجتهُ لا تزال تراقبهُ من خلفِ النافذة. تقدّمَ نحو الصبي، وبكلِّ جبروتٍ وسلطة غريبة جعلَ الصبي يلمّ الغلاف من الأَرْضِ بفمه!!

دخلَ إلى المنزل مختالاً راضيًا عن النتيجة، ليرى وجهَ زوجتهِ المصعوق. قال بنرجسيةٍ واضحة: لقد أعطيته درسًا بالأدب والتصرف الصحيح. اختالَ أكثر وتابع: عندما يرمي الأوساخ أمامَ منزل الناس وكأنهُ منزلهُ المقرف، عليه أن يتعلّم كيف ينظفها.. هؤلاء الأولاد لم يربوهم أهلهم، إذا أنا سأعلمهم الأدب!

يشكُّ بالجميع وبنواياهم، فالكلُّ في نظره متّهم حتى تثبتُ برائتهِ! لكن على شرط، أن يكونَ هو القاضي الذي يتَّهم ويبرئ الناس.

أتخيله يرى نفسه كفاوسٍ من الزمنِ الماضي، أو كجنرالِ حربٍ لدولةٍ كبرى والجميعُ يهابه! وفي اليوم الذي يتحداهُ أحدٌ، بقصدٍ أو بدون قصد، سيكونُ هو اليوم الذي سيضع فيهِ كاملَ قدراتهِ وذكائه الخاص حتى يُدمرَهُ تمامًا وفي العلن، حتى لو أنَّ التحدي كان في الخفاء! هو النرجسي.

0 views0 comments

Recent Posts

See All

المستقبل

‏ماذا أود أن أكون في المستقبل