• مارسيل العيد

حمامة

Updated: Nov 8, 2020

قرّرتُ أن أثبت اليوم لمن اتّهموني بأنني مناهضةٌ لحقوق الحيوان، بأنهم مخطئين.

قصتي اليوم هي من قصص الطفولة، وأنا أعتزُّ بأنني عشتُ طفولةً مليئةً بالأحداث والقصص المثيرة.

في إحدى السنين، ذهبت أنا وأختي وأخي في عطلة الربيع إﻟﻰ ضيعة والدي حيث يعيش جدي وجدتي – رحمهما ﺍﻟﻠﻪ -.

الربيعُ في ضيعتنا ساحر، فهي ذات طبيعةٍ صحراويةٍ، لكنّها تنعم بهطول الأمطار في الشتاء، مما يؤدي إلى فصلِ ربيعٍ خلاّب، يملأُالأرض جميع أنواع الأزهار والعشب الأخضر.

كان جدّي يملك حظيرةً تحتوي على مجموعة من الحيوانات، فهناك الغنم والأحصنة والبقر، ومن حليبها تصنع جدتي القشدة، والسمن البلدي، والزبدة واللبن المخثّر. ذلك الربيع تحديدًا لم يكن لديهم غنمًا، بل كان لديهم بقرتان وعجل صغير وحمامة، بالإضافة إلى حصانين.

منذ صغري لم أكن من محبّي الحيوانات، ورغم محاولات أعمامي وجدي وجدتي لجعلي أقتربُ منها، إلا أن تلك المحاولات قد باءت بالفشل!

كنت في التاسعة من عمري، وقد بدأت مشاعر التحدي تظهر في شخصيتي، وهي طبعًا لا تُقارن مع قوة التحدي والشخصية اللتين كانتا عند أختي التوأم وأخي. قرّر جدي بأننا سنذهب في نزهة مع أعمامي وابن عمتي لنرعى البقر ونتمشى بين الحقول الرائعة. فرحنا جدًّا بهذا الخبر، وخاصةً أننا أبناء المدينة، ومثل هذه الرحلة تعتبر مغامرةً مميزة لنا!

كان العدد يكفي ليرعى كلُّ واحد منّا إحدى الحيوانات، فأخذ أعمامي الحصانين، وابن عمّتي إحدى البقرات، وأخي البقرة الثانية، وأختي العجل، وفي داخلي كنتُ متأكدة أن جدي سيذهب معنا، وبالتالي سيهتمُّ بحمامة، لكن الصعقة جاءتني عندما علمت بأن جدي لن يخرج معنا، وحمامة كانت من نصيبي.

بدأ الصراعُ داخل عقلي، وبدأت أتحدّى نفسي بأنني أصبحت كبيرة، وأنّ حمامة، العجلة الناصعة البياض، لطيفةٌ ولا تؤذِ أحدًا!

تحرّك السرب، وأمسك كلُّ واحد منّا برسن ماشيته، كان الطقسُ رائعًا، وتوقفنا عدة مراتٍ ليأكل البقر من العشب النابت في طريقنا بين الحقول. وحمامة الوديعة كانت تأكل بلطفٍ وترفع رأسها لتنظر إليَّ وكأنها تشكرني، وأنا أبتسمُ مخفيةً خوفي وقلقي، متخيلةً أنني”هايدي“ فتاة المراعي!

بدأ أخي يضجر ويتبادل كلماتَ تحدٍّ مع عمي، وفجأةً حدثت حركة سريعة وبدأ الحصان الذي يمتطيه عمي بالجري، وأخي يجري ويضحك وقد أفلت الرسن من يده، بعد أن هاجت البقرة التي كان يقودها مع جري الحصان، وبدأَت بالركض. وخلال لحظة، وأنا أستدير نحو حمامة لأتأكد أني ممسكةٌ جيدًا برسنها، هاجت وجنَّ جنونها لدى رؤية أمها تركض، وبدأت بالركض!

طبعًا، كان معروفًا عنّي بأنني إن أخذتُ مسؤوليةَ شيءٍ، لا أتركهُ أبدًا! ولأنني كنتُ مسؤولةً عن حمامة، التي لم تعد وديعة، أحكمتُ قبضتي ﻋﻠﻰ الرّسن وبدأتُ أركض معها. لم أكن بالحقيقة أركض، بل كنتُ أطير! لم أتوقّع بحياتي أن تجرّني عِجلة، وأن تكون بهذه السرعة! سمعتُ صراخ الجميع، يقولون لي: أفلتيها أفلتيها… وأنا بداخلي أقولُ: لا، هذه مسؤوليتي. لكنّني كنتُ أصرخ بأعلى صوتي الذي كان يتموجُ مع حركة جسدي الطائر بين الهواء والأرض. كنتُ أصرخ إلى حمامة أرجوها أن تقف، وكنتُ مقتنعةً أنها تفهمني! رأيتُ العشبَ وهو يدخلُ في فمي تارةً، وتحت قدمي تارةً أخرى، وحمامةَ الشريرة تركضُ كالمجنونة!

وأخيرًا اقترب عمّي وهو على الفرس، وصرخ بصوتٍ واضح وبكلماتٍ صارمة بأنه عليَّ إفلاتُ حمامة، وبالفعل أفلتُّها، وتابعت هي الركض وتبعها عمّي على الحصان، أما أنا فبقيتُ على الأرض أبكي هروبَ حمامة منّي، وسطَ ضحك أخوتي وابن عمتي، الذي تتابَع حتى وصلنا بيتَ جدي، الذي بدوره ضحك من قلبه، بينما قامت جدتي بتنظيف الجراح الخفيفة. قال جدي أنّه عليَّ أن أخرج أكثرَ للرعي، حتى أتعلم كيف أتعامل مع الأبقار، قال هذاطبعًا وهو يمسح دموعَهُ من الضحك!

في المساء، ذهبتُ إلى الحظيرة لألقي نظرةً من بعيد على حمامة، وعاتبتُها لغدرها بي. وفي السنة التي تلتها، علمنا بأنه لم يعد هناك بقر عند بيت جدي، وأنهم استبدلوها ببعض الخراف والدجاج.

أما أنا، فحلفت أن لا أرعى حيوانات بعد اليوم، وأن لا أكلّم حمامة الغدارة، وطبعًا بقيتُ اليوم كله لا أكلّم جدي وأخوتي الذين لم يفوّتوا فرصة ليخبروا الجميع عن موقفي البطوليّ مع حمامة، باستهزاء طبعًا!

مع تحياتي لجمعية الرفق بالإنسان!

#Childhood #Story #Syria #قصةطفولةذكريات


0 views0 comments

Recent Posts

See All