• مارسيل العيد

حَلَفَ الرجل

انتهى الاجتماع وصعدنا إلى السيارة، كانَ وجهُ المديرِ مُكدرًا جدًا حتى أنني أحسستُ بأنَ الدمَ سينفجرُ من عروقه!

أدرتُ المحركَ وأخفضتُ صوتَ المذياعِ، لم يكن هناكَ مساحةٌ لسماعِ أيِّ شيء، كانت جُزيئاتُ الغضبِ تملأُ الأجواء.

قُلتُ، في محاولةٍ لأكسرَ الهدوءَ الذي بدأَ يوتّرني: “كانَ اجتماعٌ غريبٌ بعضَ الشيء!”

وكأنني فتحتُ سدًا كان يحصر خلفهُ مياهً منجرفةً تنتظرُ الانفجار!

“غريب!!” قال بنبرةٍ تحملُ الكثيرَ من الاستنفارِ لمعركةٍ كلاميةٍ قادمةٍ لا محال!

اكتفيت بهزِّ رأسي وأنا أخفي عينيَّ وراء النظارة السوداء. الطريق إلى مكتبنا سيأخذ تقريبًا ساعة، وأنا أعلم مصير تلك الساعة من الآن!

 بدأ يتحرك يمنة ويسرة، ينفث زفيره وهو ينظر إلى هاتفه بتوتر! أخذ علكة وبدأ بمضغها. فكرت أن هذا حلٌّ جيد ليخفف من توتره، فلو استخدمنا كل تلك الطاقة التي تخرج منه، لوصلت سيارتي إلى المريخ بأقل من ساعة!

 أحسست أنه عليَّ أن أفتح باب جديدًا له لينفس عن غضبه، فهو إنسانٌ بعمر والدي، لا أريد أن يصيبه مكروه، ولا أريد ذلك تحديدًا في سيارتي!

 “إذًا ما رأيك بحديث اليوم؟” قلت وأنا أصلي ألا تنفجر نوافذ السيارة من غضبه!

بدأ بالحديث عن مدى سذاجة هؤلاء الناس، الذين يعتقدون أنهم مهمين، وأنهم الأفضل ولا يعملون إلا مع الأفضل. ثم انتقل إلى من كنت أعلم أنها أثارت غضبه… مديرة المكان.

منذ البداية كان التحدي واضحًا بينهما، هو أراد أن يجعلها تؤمن بأنه أفضل منها، وبما أنه أكبر عمرًا، إذًا لديه خبرة لن تستطع أن تكسبها بسهولة. وهي أرادت أن تثبت له أن لا عمره ولا خبرته ستحط من قدر إنجازات شركتهم. لم يكن الاجتماع ببساطة أكثر من تحطيم رؤوس وتكسير معنويات، وانتهى الاجتماع فقط لأن أحدهم كان عليه أن يلحق برحلته!

أكمل حديثه وهو يستخدم قصصًا ووقائع حصلت مع أناس يشبهونها، وكيف أنه بحكمته استطاع أن يربح الجولة الأخيرة.

عرضت عليه الماء وهو يتابع الكلام عن إنجازاته وكيف وصل لمنصبه، وشعرت أن حجمه بدأ يعود إلى الحجم الطبيعي، وطاقات التوتر بدأت بالتلاشي قليلًا.

بعد أن أخذ دقيقة راحة من الكلام، قلت: “إذًا لن يتم التعاون مع هذه الشركة؟” وكأنني رأيت حجمه يكبر ليصبح أكبر من سيارتي! ولأخفف من حدة غضبه قلت: “أقصد أننا انتهينا هنا؟”

أخذ نفسًا عميقًا وقال: :من لا يعرف قدر نفسه ولا يعرف كيف يقدّر خبرات الآخرين سيفشل، واشهدي على كلامي!”

وصلنا وأنا لا أزال أستمع إلى مسلسل إنجازاته التي تعكس فطنة وعبقرية، وسلطوية وعجرفة! لكن هو المدير، هو يتحدث والجمع يسمع!

بعد مضي وقت… وقّعَ هذا المدير عقدًا للتعاون مع هذهِ الشركة، التي حَلفَ بأنّهُ لن يعملَ معهُم أبدًا!

0 views0 comments

Recent Posts

See All