خلفَ الأبواب

Updated: Nov 8, 2020

لم يعد كسابقِ عهدهِ، هناكَ شيء تغيّرَ  في هذا الرجل! أراهُ تائهاً بعضَ الشيء يَسرحُ في أفكارِه، لم يَعد يقضي وقتًا مع الأولاد، بل يبدو لي أنَّ وجودهم أصبحَ يُزعجه.

 سَألتهُ عن العمل ومالذي يشغلهُ عنّا مؤخراً؟ أجابني دونَ أن يَنظُرَ إلى وجهي وهو يُتابع التلفاز “لا شيء، فقط مشغول”. لم يقنعني جوابَهُ هذا كما لم تُقنعني كلُّ الحُججِ لتَغيّبه عن المنزل، الذي زادَ عن حدّهِ منذُ فترة.

أعرفُ أنّه قد مضى على زواجِنا عِشرونَ عاماً، وقد أصبح أبنُنا وبَناتِنا في المراحل الإعدادية والثانوية، ومعهم كَبُرَ همّ البيت والمصروف، لكن أنا أعلم أنَّ شيئاً جديداً قد طرأ على حياة هذا الرجل. إحساسُ المرأة لا يُخطئ وأنا أعرفُ زوجي جَيداً.

 قررتُ أن أبحثَ في أغراضِهِ عندما يعودُ للمنزلِ وأشمَّ ثيابه، لكن لم أجد أثرًا لإمرأةٍ أخرى، رغم ذلك كنتُ متأكدة أنهُ يوجدُ أُخرى في حياته. مزاجهُ العصبيّ الدائمِ وصراخهُ الذي زادَ مع ضيقِ خُلقهِ جَعلني أشكّ بأن شيئًا جديدًا قد حصل!

لكنّ الذي جَعلني أشكُّ بوجودِ امرأةٍ أُخرى في حياتهِ هو تَغيّرهُ معي. لم يَعد يداعبني كالسابق، لم يَعد يتغزّل بي ويخترعَ الحِججَ الرومنسية لقضاءِ ليلةِ حميمية! حتى إنني حاولتُ تقبيلهُ لكنّهُ تحجّج بأكلهِ بَصل وأنّهُ لا يُريدُ أن تُزعجني رائحةَ نَفَسهِ!

لم أعد أطيقُ المضيَّ في حَياةِ الشكِّ هذه، سألتهُ إن كانَ لا يزال يُحبني، ابتسم دونَ أن ينظرَ إلى عينيَّ وقال: أنتِ زوجتي وأمُّ أطفالي، كيفَ لا أحبّكِ!

سألتهُ، بعد خلافٍ شبَّ بيننا على موضوعٍ تافه لا يُذكر، سألتهُ إن كانَ لديهِ عشيقة؟ لم يَنظر إلى عينيَّ وإكتفى بقول: لا يستطيع الرجل أن يرتاحَ في منزله، حياتكِ كُلّها نق!

زواجُنا كان تقليديًا، لكنني لا أُنكرُ الإعجابَ الذي ظهرَ منذُ اللّحظةِ الأولى، وبالرغم من الزواج التقليدي، أُغرمنا ببعض وكانت حياتنا تقريبًا خاليًة منَ الخلافات. بعدَ أن رُزقنا بالأطفال، وكأيّ عائلةٍ تقليدية، بدأت الخلافاتُ والهمومَ تزداد، لكنَّ ذلك لم يَكن السببَ وراءَ تغيّرِ زوجي وجعلهُ يخترعُ الحُججَ حتى لا يكونَ مَعنا. أنا أعلم، إنها بالتأكيد امرأة أخرى!

قُمتُ بِحَبكِ خُطّتي جيداً، أَخبَرتُه بأنني حَجزتُ تذاكرَ سفرٍ لي وللأولاد لنمضي عُطلةَ الربيعِ في البلادِ عندَ أهلي. رحّبَ بالفكرة وقال أنها أفضلُ من التصارعِ مع الأولاد وطلباتهم التي لا تنتهي. جاءَ يومُ السَفر، سألني إن كنتُ أريده أن يوصلِنا إلى المطار، فقلت أنني حَجزتُ سيارةَ أُجرةٍ فأنا أعلمُ أنّ لديهِ عملٌ في الصباح.

جاءت السيارة وودعناه، قبّلَ الأولاد وحضنَني بسرعةٍ وهو يوصيني على الأولاد. انطلقت السيارةُ نحوَ المطارِ وانطلقَ هو إلى عمله. في الطريق، انحرفَ السائقُ ليأخُذنا إلى العنوان الذي اتفقتُ معهُ عليهِ منذُ البداية، وصلتُ إلى منزلِ أختي وتركتُ الأولادَ هناك، بينما ينتظرني سائقُ الأجرةِ في الخارج. كنتُ قد أخذتُ طريقًا طويلًة بعضَ الشيءِ حتى أُضيّع بعضَ الوقت.

إلى المنزل لوسمحت، قلتُ للسائق وأنا أحاول أن أُهدّءَ من دقاتِ قلبي، أَحسستُ لِلحظةٍ أنّ النبضَ سيشقَ حُنجرتي ويَخرجَ من رقبتي! كنتُ أُفكر.. هل ستكون شكوكي صحيحة وأجدهُ مع امرأةٍ أُخرى في المنزل؟ هل فَقدتُ عقلي وسمحتُ لتلكَ الشكوكِ أن تكبر داخل عقلي لتُصبح حقيقًة لا وجودَ لها! ماذا لو أنّه كان فعلاً على علاقةٍ بامرأةٍ أُخرى؟ مالذي سأفعله! مالذي سأقولهُ للأولاد؟ كم أنا مُتعبة من كلِّ هذا التخبط داخلَ عقلي، يؤلمني مجرّد التفكير بأنه قد يكون مع امرأة غيري!

وصلتُ المنزل، سيارتَه في الخارج! إذاً هو في المنزل، أشعر بالدوار!

دخلتُ المنزلَ بهدوءٍ وأنا أتجهُ نحو الدرجِ المؤدي إلى غُرفِ النوم، هناك حركة غيرُ طبيعية، بالتأكيد هو ليس وحده في المنزل، وبالتأكيد هو في أحضانِها! فكرت وأنا أصل إلى باب غُرفة نومِنا وقد انسحبت الروح من جسدي. كنتُ أصلي بأن أكونَ مخطئة!

فتحتُ باب الغرفة، وتسمرت عينايَ على السرير، توقفَ الدّم في عروقي وشعرتُ بأنني قد أُصاب بالعمى في أية لحظة. كنت أفضّل الموت على رؤية ما رأيته أمامي، في بيتي وعلى سريري! أصبحت مخاوفي السابقة مقبولة جداً أمام رؤية زوجي ووالد أطفالي مع رجلٍ آخر في السرير!!

تخيلت جميع الخيارات وعواقبها في لحظة…مرّت أمام عينيَّ مئاتُ الإحتمالات ولازال الدم واقفًا في عروقي!

قلتُ، بعدَ أن استجمَعتُ قوّةَ الكون، فلتذهب إلى الجحيم أنتَ ومن معك!

صفَقتُ كلَّ الأبوابِ ولم أدري إلا وأنا داخل سيارة الأجرة، كان حلقي متحجر وأطرافي باردة،مرّت عشرون سنة أمام عينيَّ بلحظة، وبلحظة حسبتها عشرين عاماً!

ماذا أفعل؟ هل أنفصل حقاً؟ ماذا أُبرر للأولاد؟

لم تعد أمامي سوى صورة أولادي … وأنا … وهو بهذا المنظر المميت!

هل أبقى معه وأتصرف وكأن شيئًا لم يحدث أمام الأولاد والمجتمع؟ ولكن هل سيرضى الله أن أُكسَرَ بهذهِ الطريقة؟

بدأ شيءٌ يتمزّق داخلي … أحسستُ به، برغم شفافيته انسلخ… أحسَستُ بهِ إنهُ شِغَافُ قلبي وشيءٌ آخر لَم أدري بهِ إلا بالمشفى وأنا أتقيأ دماً من داخل أحشائي.

 *مأخوذة عن قصة حقيقية لدرجة لا تُصّدق!

 Image taken from librarything.com

0 views0 comments

Recent Posts

See All