زوجان من الصين

Updated: Nov 8, 2020

…اسحبي هذه القدم !

صَرَخَت وهي تتأمل وجهَ زوجَها الغائِصَ في بحرٍ منَ العرقِ.

اسحبي هذهِ القدم يا امرأة لا تعذبيني، يكفيني ما مررتُ بهِ ! .

اقتَربتْ وهي تهتزُّ من الصدمة،

… ما الذي حصل!

كانَ قد طلبَ منها مُساعدتَهُ في قَطعِ قدمهِ، واعتقدتْ أنه ليسَ جادًّ في هذا الطلب.

ذَهبَت لِتجلبَ بعضَ الحطبِ لَتحرقَهُ في المدفأة، فقد زادَ بردُ الشتاءِ من معاناتِهم ، وبعدَ أن ساءت حالتَهُ، أصبحَ عليها أن تَجلبَ الحطبَ واحتياجاتِ المنزل، بالإضافةِ إلى الإهتمامِ بهِ وتأمينِ متطلباته. ذَهبَت ولم تكن تعلم مايدورُ في رأسهِ المتعب!

 قالَ لها : ساعديني على قَطعِ هذه القَدم … ستأكلُ جسدي عن قريب!

هل نتحدث عن لعبة أم ماذا؟ علّقت بنبرةٍ غاضبة وهي تهمُّ بالخروج، وأضافت: فلننتظر قليلآ على أملِ أن تُفرج .

كُنتُ أعلمُ أنَّ مَصيرَ قدمايَ القطع لامَحال، بَعد مراجعةِ الطبيب، أكدَ لي أنَ نِسبةَ نجاحِ العملية عشرون بالمائة فقط، وأنّهُ يتوجبُ عليَّ دفعُ خمسينَ ألفِ دولارٍ أمريكي لتغطيةِ تكاليفِ العملية! كلُّ ما أملِكُ أنا وزوجتي المنهكةَ مثلي، لايغطي ولو جزءً بسيًط من هذهِ التكلفة. في مثلِ عمري، فكرة ُالحصولِ على قرضٍ منَ البنك هي فكرةٌ مرفوضةٌ تمامًا، أو غيرُ متوفرة أصلآ. ومن سيتبرع لي بمبلغٍ كبيرٍ كهذا ؟! راجعنا جميعَ الدوائرِ الحكومية وطرقنا كلَّ الأبوابِ، لكن لا أمل .

أصبحتُ أكرهُ وجودي مستلقيًا معظمَ الوقتِ أو جالسًا على السريرِ في المنزل، بينما هي تقومُ بكافّةِ الأعمالِ داخلَ المنزلِ وخارجهُ. كانَ علينا أن نعملَ لنعيشَ قبلًا، ومنذ تَدهورت حالتي لم يَعد باستطاعتي العمل، وبالتالي نحنُ نعيشُ نصفَ حياة.

“هذهِ الأجزاءُ ميّتة، وإن قَطعتُها من هذه الجهة لن أتأثر أو أشعرَ بالألم، وطبعًا كميةَ النزفِ ستكون أقل” هذا ماكان يدور في رأسي منذُ البارحة، وعندَ الصّباح وقبلَ أن تهّمَ زوجتي بالخروج طلبتُ منها أن تجلب لي السكين الحادة الكبيرة.

قالت : لماذا؟

قلت : أريدها فقط.

أتت بالسكين ولم تناقشني كثيرًا، كانَ وجهها مهمومٌ ولم تَنظر إلى عينيَّ وهمَّت بالخروج كعادتها لجلب الحطب.

قلتُ لها : انتظري، أريد أن تساعديني في قطع قدمي.

 استدارت نحوي دون أن تنظر إلى وجهي بل نظرت مباشرةً إلى قدمي.

قالت : هل نحن نتحدث عن لعبة؟ فلننتظر قليلًا على أملِ أن تفرَج. وغادرت .

يبدو أنني غير مُقنع، لكنني كنتُ جادًا اذ عمليةُ قطعِ قدمين وتركيب أعضاءَ جُدد ستكلّفنا الكثير، وقد طرقنا كلَّ الأبواب القريبة والبعيدة لكنَّ أحدًا لم يفتح لنا، ماذنب هذه المسكينة ان تعيش وتنتظر الفرج؟ .

التوتروفقدانُ الأمل، جعلاني أقومُ بقطعِ القدمِ الأولى، ببساطة كانَ كل شيء ميّتٌ في الداخل على كل الأحوال ولم يكن قَطعَها مؤلمًا فعليآ، لكني لا أنكر أن قلبي كان يتقطع مع كل حركة للسكين.

ارتجفت يدايَ كثيرا عند أول عملية قطع، أردت أن أجرب في البداية لأتأكد أن ما سمعته عن أن بتر القدم المتعفنة لا يؤلم ولا يصاحبه نزيف أيضًا! امتزجت دموعي بعرقي المتصبصب من جبيني ومن جميع أجزاء جسدي وكأنني كنت أنزف عرقًا!

لَم يحدث شيء… تابعتُ عمليةَ البترِ بحذر، لكنني أردتُ أن أنتهي قبلَ أن تأتيَ زوجتي المسكينة. هذا التعفنُ كانَ سيقتلني، لذا قررتُ أن أقتلهُ أولا.

آه…. لو كُنتُ أعلم ما كانَ يدورُ داخلَ عقلهِ المجنون …… لو كُنتُ أعلم أنَّ الإحباطَ سيدفعهُ لفعل هذا لما تركتُ المنزل!!

آآآه… مالبديل أصلآ .

اقتربتُ منه وأنا أحاول أن أسحبَ السكين من يدهِ المرتجفة. كانت عيناه زائغة تنظرُ إليَّ بلا تركيز، ويدهُ كانت لا تزالُ تشدُّ على السكينِ بقوة!

نظرتُ الى السرير الممتلئ بعرقه، ثمَّ إلى قطع قدمه اليمنى. بدا لي أنه قام بمحاولاتٍ أولية على أجزاءٍ من الساق قبل أن يقطع الجزءَ الميت. ثم انتقل إلى الأخرى لكنه قام بقطع هذه مرّة واحدة! نظرتُ إلى كلِّ شيءٍ من حولهِ ما عدا وجهَهُ، لم أستطع أن أضع عيني في عينيه، لم أستطع أن أراه مكسورآ أو خائفًا.

 تحججتُ بأنني سأعود ببعض الكمادات والأدوية لكني بالحقيقة خرجتُ بسرعةٍ لأُخرجَ ما في معدتي من عُصاراتٍ، وأصرخَ نحو السماءِ من ألمي ومن فاجعتي، هذا اذا بقيَ عندي قوةٌ للصراخ.

 كنتُ أعلمُ أنَّ مصيرَ هاتان الساقان اللتان تعفنتا هو القطع، لكن ليس في البيت وآثارهما أمام عينيي! لم نَعد بعمرٍ يقبلُ الصدمات , ومتأكدة أنه سينهار قريبآ .

جلبتُ بعضَ الكماداتِ ونظّفتُ المكانَ من حولهِ وما تبقى من القدمين، وأعطيته مسكنآ قويآ كان قد وصفهُ الطبيبَ لهُ سابقآ، أعطيتهُ ضعفَ الكميةِ خوفآ من أن يستيقظَ من الصدمةِ فجأًة ويُصابُ بنوبةٍ عصبية.

كان خوفي من المجهول أكثر من رعبي من ما حصل، لكن هل سيوقف هذا القطع امتدادَ التعفن إلى باقي أجزاءَ جسدهِ؟ عندها، مالذي يمكن له فعلهُ!

“في المرة القادمة لن أهرب، سأكون بجانبه وأشد على يده وسأظل أرعاه حتى أموت” فكرت وهي تمسح قطرات العرق وقطرات دموعها من على جبينه وهو ينام محتضنآ يدها الأخرى وكأنه يقول:لاتتركيني. .

*مأخوذة من مقابلة على إذاعة بي بي سي مع أشخاص حقيقيين، لكن أحداث القصة من خيالي.


0 views0 comments

Recent Posts

See All