• مارسيل العيد

شجرة التوت

Updated: Nov 8, 2020

تبدأ رحلتنا إلى المدرسة كل يوم من البيت عبر الحارة، لنصل إلى البستان المهجور، ومن ثم إلى الشارع الرئيسي الذي يفصل بين الغابة والبستان ويمتد إلى طريق المدرسة الجانبي. هذه كانت رحلتنا اليومية للمرحلة الإبتدائية. جرت العادة أن نتحرك بمجموعات، وبينما نحن في الطريق كنا نغني أغان الطلائع، لا أعلم إن كنت أغني حتى أطرد الخوف الذي كان يأكل عقلي في كل مرة كنا نقطع البستان المهجور، أم لأنني أريد أن أثبت وجودي بين المجموعة.

سمعنا الكثير من القصص المخيفة عن هذا البستان، فمن يتأخر عن المجموعة سيضطر الذهاب وحده، وبالتالي قد يتم خطفه من قبل “الحرامي” وبغضون أيام ستكون جثته مرمية في مكان ما! هذه كانت القصص التي يتداولها الصغار، لا نعلم من بدأ بها أو إن كانت حقيقية.

في نهاية البستان، وبالتحديد في الزاوية اليسارية ونحن في طريقنا إلى المدرسة، يوجد منزل لرجل فهمنا أنه ناطور البستان. كان شكله مخيفا بعض الشيء، بلحيته التي لم يشذبها وعينيه اللتان لا تلمعان، وحاجباه المقطبان على وجهه المنزعج بشكل دائم. وفي وسط حديقة المنزل يوجد شجرة توت برية، وكانت تحمل الثمار في الربيع وتبدو شهية جدا. لم يكن التوت متواجد بكثرة في الأسواق، أو لنقل أنه لم يكن متوفر لجميع الطبقات الإجتماعية. في الربيع كنا نمر بجانب الطريق القصير المتفرع من طريق البستان الرئيسي، ويشدنا منظر التوت الناضج وكأنه ينادي علينا.

في يوم من الأيام إتفقنا أن نضع حد لهذا التعذيب اليومي، وخاصة أن صاحب الشجرة لم يكن مرحبا أبدا بمرورنا اليومي بالقرب من بيته وحديقته الصغيرة. إتفقنا على أن ننقسم لمجموعتين، الأولى ستشد إنتباه الرجل وتجعله يخرج من محيط الحديقة، والأخرى ستجمع أكبر عدد من التوت.

طبعا خطتنا كانت محكمة جدا، فمن ضمن المجموعة كان هناك أطفال أشقياء، وأيضا من بيننا كان هناك من يستطيع الركض بسرعة خارقة، وهكذا وزعنا الأدوار فيما بيننا.

جاء يوم التنفيذ، كان أخي من ضمن مجموعة الركض فقد كان سريعا وخفيف الحركة. إنضمت أختي إلى مجموعة الشغب وإثارة حنقة الرجل. وصلنا إلى بداية البستان من جهة الشارع الرئيسي في طريق العودة، تقدم الجميع أكثر بينما كنت أتمسك بمريلة أختي وأشد عليها لإخفاء رعبي. وعند وصولنا لمدخل الحديقة الوهمي، كان المكان خالٍ تماما، وكانت رائحة ثمار التوت تشدنا من أنوفنا الصغيرة نحوها. يبدوا أننا لن نحتاج لإثارة الشغب وتحولنا جميعا لجامعي التوت. بالطبع نسينا أن نجلب أكياس، وبالتالي تم استخدام الزي المدرسي كبديل. وفي اللحظة التي بدأنا بجمع التوت ونحن نتبادل نظرات اللصوص الظافرة، ظهر من لم نتوقع وجوده…. الكلب! نعم نسيت أن أخبركم بوجود الكلب الشرس!

في هذه اللحظة لم يكن أمامنا لا الخطة الأساسية ولا الخطة البديلة! قرر الراكضون الهرب، وهذه كانت خطوة جيدة لشد إنتباه الكلب، وأما من بقي، فقد قرروا تحويل أفواههم إلى أكياس، على الأقل سيحصلوا على بعض التوت. أما أنا فقد كنت في مكان المراقبة، وفي اللحظة التي رأيت الرجل الشرير صاحب التوتة كاره الأطفال “هذا كان لقبه” يقترب، بدأت بالصراخ، صراخي كان من النوع الذي يصل إلى أبعد الأماكن، النوع الذي لا يستخدم إلا في الأماكن المفتوحة! وهنا بدأ الجميع بالركض وفي جميع الإتجاهات داخل البستان. أنا لم أكن سريعة بالركض، وعندما أكون في حالة الخوف أفقد القدرة على التفكير، وكل ما أفعله هو الصراخ. يبدو أنني كنت أصرخ في نفس المكان دون حركة مع إقتراب الرجل أكثر وهو يسب ويلعن الأرض التي ولدتنا والعائلة و.. و.. وأنا أصرخ… وأصرخ، وهو يقترب واللعاب يتطاير من جميع زوايا وجهه، كما خيّل لي، وأنا أصرخ. وفجأة، وفي اللحظة التي علمت أنني سأكون الطفلة التي سيجدون جثتها بعد يومين مرمية كما سمعنا في القصص، فجأة شدني أخي من مريلتي وهو يركض، وأنا أحاول أن أحول زحفي على الأرض إلى ركض إن أمكن. أخي يقول أركضي يا مجنونة، وأنا أحاول أن أبصق التراب لأخبره أن سرعته لا تتناسب طرديا مع جسدي الممتلئ! والجميع يركض.

وصل كلٌّ إلى منزله وإتفقنا أن لا نخبر أحد بما حصل وأن نتغيب جميعا عن المدرسة غدا حتى ينسى الرجل أشكالنا وبالطبع صراخي. هذا كان ممكنا لولا بقع التوت التي صبغت ثيابنا ووأفواهنا والتي لم نعلم بوجودها إلا بعد أن قالت أمي: إذا أخبروني، كيف هربتم من البستاني! كنا دائما نظن أن أمي تعلم بالغيب، كجميع الأمهات، لكن المرآة التي جلبتها أخبرت الكثير عن مغامرتنا.

طبعا، نعمت الحارة بأسبوع هادئ بعد أن تمت معاقبة الجميع، لكن المغامرة تستحق العقاب.

وبقيت الأمهات تغسل ثياب المدرسة لوقت من الزمن!

#بالعربي #أطفال #قصص #عربي #قصة #طفولة


0 views0 comments

Recent Posts

See All