top of page
  • maleid

فقط تعلّمي

في الطابق الأول من المبنى التابع للمركز الثقافي البولندي، في مكان قريب جدا من إحدى جامعات المدينة، تقيم مجموعة راقصي التانغو ما يسمى بالميلونغا وهي ما يعنيه رقص التانغو الأرجنتيني.


اليوم، وبدون أي سبب يُذكر غير الملل الذي يأتي مع الشتاء وخاصة فترة ما بعد أعياد عيد الميلاد ورأس السنة، اليوم كان الحضور مميزا مما جعل الرجل السبعيني المُنظم لهذا التجمع سعيدا جدا بكل عشرين دولار كسبها من كل شخص دخل القاعة ليرقص بها. عادة يقدم المنظمون لمثل هذه التجمعات البسيطة بعض المشروبات والبسكويت وقد يقدّم البعض الفواكه المقطعة والمعجنات لتبرير ارتفاع سعر تذكرة الدخول لمكان ستكون أنت جزءا من العرض الرئيسي لهذه السهرة. لكن وبسبب الغلاء الذي أصاب الكوكب أجمع، اليوم لم يكترث المنظم بتقديم أكثر من الشاي والقهوة والبسكويت المغلف!


يجتمع عشاق التانغو من مختلف الخلفيات العرقية، ومن جميع الفئات العمرية ومن مستويات مختلفة في حرفية رقص التانغو. عادة تجد المستجدين يتجمعون عند أبعد طاولة وعند أكثر زاوية مهمّشة ليراقبوا خطوات الراقصين بعيون تلمع وأمل بأن يصلوا لهذا المستوى يوماً ما. يحاولون الرقص بعيدا عن مسار الآخرين وبحركة أبطأ من المعتاد عليه في الميلونغا. بالطبع لا يجرؤ أيٌّ من المبتدئين دعوة أحد الراقصين الآخرين للرقص، هنا يحترم الجميع قدرته ومستواه بدون قانون يُذكر.

أما الراقصون ذوو المستوى المتوسط إلى الجيد فهم يجتمعون في المنطقة الوسطى ويجلسون على الكراسي بثقة ورؤوس مرتفعة تحمل ابتسامة حماس للرقصة القادمة المضمونة، هؤلاء الفئة هم الذي يرقصون تقريبا معظم الليل ويملؤون المكان تماماً. لكن من وقت لآخر، ينظرون نحو ذاك المربع الصغير الموجود في المنطقة التي تلي المدخل الرئيسي والتي يوجد فيها بعض الطاولات وبالطبع وبدون أي اتفاق مسبق، يجلس عليها المتمرسون والمعلمون والزوار القادمون من بلاد التانغو إن وجدوا!


في تجمعات التانغو، وعندما يأتي راقصٌ أو راقصة جديدة، ينتظر معظم الراقصين الدائمين لرؤية وتقييم مستوى هؤلاء الزائرين. إن كنت قائدا -وهذا يعني راقصا- فلديك الفرصة الأعلى لتحظى بأول رقصة لتثبت بها مستواك في الرقص وهكذا يراقبك الجميع من المستويات المختلفة ويعطوك علامات وهمية بنظراتهم التي قد تحدد في أية جهة من القاعة ستجلس، وهل ستحظى برقصات أخرى أم أنك ستنتمي إلى مجموعة المراقبة!

أما إن كنت تابعا -وهذا يعني راقصة في أغلب الأحيان بالرغم من أن بعض الراقصات يتعلمن القيادة أيضاً- فأمامكِ طريقين: إما أن تتأكدي من لبس ثياب أنيقة جداً تثبت احترامك لمجتمع التانغو، وتلبسين حذاء تانغو احترافي، وتجلسين في المنطقة الوسطى دون دعوة وتضعين قدماً فوق قدم بثقة راقصة تانغو وترسمين تلك الابتسامة غير المبالية، على أمل أن يلفت هذا نظر أحد الراقصين ويعزمكِ على أول رقصة وهي التي ستكون رقصة البداية أو النهاية!

أما الطريقة الأخرى التي اكتشفتُها مؤخراً، فهي بأن تُمعني النظر بالمنطقة الوسطى لقاعة الرقص، وتحاولي إيجاد إحدى الراقصات التي تحمل ملامح أقل حدة، وتجلسين أو تقفين بجانبها وتعرفيها باختصار باسمك وتاريخك مع التانغو وهي بالتالي ستقوم بتعريفك على الراقصين والراقصات أصدقائها وتطلب من أحدهم أن يدعوكِ للرقص. ثم عودة إلى نفس فكرة البداية أو النهاية.


أما بالنسبة للطبقة الأرستقراطية من راقصي التانغو المتمرسين، فبإمكانك التعرف عليهم من طريقة لبسهم. الراقص يلبس بدلة خاصة لراقصي التانغو لكن ليست تلك التي نراها عادة بعروض التانغو الشهيرة، والتي عليك الانتباه جيدا بأن لا تحاول تقليد حركاتهم الاستعراضية في أمسية ميلونغا أرجنتينية، سيتم طردك عاجلاً أم آجلاً.

عودة للراقص المحترف، يلبس بدلة جذابة وحذاء تانغو يلمع ويمشي كطاووس برأس مرتفع ونظرة دونية ليرسل إيحاء للجميع بأنها منطقة لا يسمح لك بالاقتراب أو التصوير، حرفيا!

أما الراقصة المحترفة فتلبس فستانا جذاباً، ولا تلبس التنورة أبدا بل فستانا، يزيد إلى سحر شخصيتها القوية ويلفت الأنظار وتضع المكياج المناسب، مكياجا يقول: تأكد من مستواك قبل دعوتي للرقص! أما حذاؤها، فهو حذاء تانغو ذو كعب عالٍ فهي لا تخشى الوقوع أو اختلال التوازن أو حتى أن تطأ بالخطأ على أصبع شريك الرقص. هي ببساطة ملكة التوازن والذي هو أساسي جدا برقصة التانغو لدى الراقصات.


اليوم، بين الحضور كنت أنا وبعد انقطاع دام مدة خمسة سنوات بسبب العمل والكورونا وخوف ما بعد الكورونا، قررت أن أكون تلك الزائرة التي اختارت الراقصة الطيبة والتي عرفتني على معظم الراقصين، وهذا كان اختراع اللحظة بالنسبة لي وقررت أن أخبر كل من أعرفه بهذه الطريقة الفعالة.

بعد أن تمت دعوتي لأول رقصة تبعتها رقصات عدة وتم تخصيص كرسي لي بدون اتفاق معلن في منطقة الراقصين الوسطى، كنت في غاية السعادة ولم أرسم تلك الابتسامة الخبيثة بل كانت ابتسامتي تغطي وجهي. يقال في عالم التانغو بأن رقص التانغو يشبه قيادة الدراجة الهوائية، متى تعلمت القيادة لن تنساها أبدا، كان لدي شكٌ بهذا المثل لكن في هذه الليلة صدقت وآمنت به.


بين الحضور، لاحظت وجود سيدة ذات قوام متناسق، وتسريحة شعر قصيرة تتناسب جدا مع شكل وجهها الجميل وعينيها الخضراوتين. اتجهت نحوي وهي تبتسم، لاحَظت بأنني وجه جديد على المجموعة، جَلَست بجانبي وقالت بإنجليزية تحمل لكنَةً أوروبية: أأنت جديدة؟ ما اسمك؟ أخبرتها باسمي وأنا أتأمل جمالها المميز. فجأة تحدثت معي باللغة الفرنسية فهمت قليلا مالذي قالته لكني ولعلمي بأن هذا كل ما سأفهمه بالفرنسية، قلت لها أنا اسمي فرنسي لكنني سورية. استغربت كيف أنا سورية ولا أجيد الفرنسية، فشرحت لها أنه في عهدنا، عهد العجائب، إن كان أحد والديك معلما فيحق لك أو لوالديك اختيار اللغة الأجنبية التي ستتعلمها ابتداء من المرحلة الإعدادية والتي ستكتشف فيما بعد، وكما نقول بالعامية بأنها "متل قلّتها". وإن لم تكن تنتمي لهذه المجموعة فسيكون مستقبل لغتك الأجنبية يعتمد على قرعة، في أغلب الأحيان تعتمد على لائحة مسبقة الفرز. وبكل الأحوال "متل قلّتها".


نظرت نحوي بعيون ممتلئة بالحياة وقالت: أنا اسمي إينيس، لست فرنسية لكنني أخجل أن أقول من أي بلد أنا.

لم أستطع التفكير بأي دولة أو مكان قد يجعلها تخجل أمامي من ذكر بلدها إلا إن كانت إسرائيلية مثلا!

قالت: أنا من روسيا، يخجلني ما يحدث الآن بسبب حكومتي.

كنت معجبة بجمال وأناقة هذه السيدة ولطفها، لكنني احترمت انسانيتها أيضا وأكدت لها بأننا كشعوب نشكل آخر رقم موجود بهذه المعادلات والحسابات التي تُبنى تحت شعار وهمي يُدعى الشعب!


ابتسمت وقالت: الشهر القادم يا جميلة سيصبح عمري ثمانٌ وسبعون عاماً، وسأحب الحياة أكثر وأرقص أكثر.

صدمني الرقم بالرغم من أني توقعت بأنها أكبر من والدتي، لكني لم أتوقع هذا العمر أبداً.

سأقول لك نصيحة لأنني رأيتني بك: فقط تعلمي. تعلمي الرقص، تعلمي الحياة، تعلمي كل يوم والأهم أن تستمتعي بكل درس تتعلميه.


كانت إينيس واحدة من أجمل النساء التي التقيت بحياتي، وأكثرهم حبا للحياة. عرفتني على أصدقائها لأرقص معهم. أراكم تضحكون لكن تذكروا، هؤولاء هم الراقصون المحترفون!


قلت، هل أراكِ في المرة القادمة؟

قالت إينيس وهي تتأملني بعيون مرت عليها الحياة: من يعلم! لكن إلا أن نلتقي، ارقصي وتعلمي وسأراكِ عن قريب!

قلت وكيف ستغادرين؟


ابتسمت وعندها نظرت إلي بتحدي وهي تقول: سأقود سيارتي بالتأكيد!


مارسيل، تورنتو ٢٠٢٣









58 views0 comments

Recent Posts

See All
bottom of page