• مارسيل العيد

في عمر الزهور

صبية في عُمر الزهور … سمعت هذا المصطلح كثيراً لكنني لم أشعر بمعناه إلا عندما سمعت قصة هذه الصبية

جلست أحتسي القهوة مع أمي و جارتنا التي رأيتها فقط مرة من قبل ولكني أحببت إبتسامتها ورقتها، هي من الأشخاص الذين تشعر أنك رأيتهم من قبل. تكلمنا عن أمور العمل والحياة والأطفال والإخوة الأصغر سناً أو كما نطلق عليهم بالعامية “آخر العنقود” وكيف أنهم يحظون دائماً بتربية مختلفة عن باقي إخوتهم وكيف أن الدلال كله يكون لهم، وقالت الجارة: آه نعم الصغير عندي “كلش” مدلل أي شيء يطلبه يكون له. ضحكنا أنا وأمي و قلت: آه من الإخوة الصغار وآه من أهلنا الذين مع مرور الوقت نسيو كم كانوا صارمين معنا، طبعاً ضحكت أمي وهزت برأسها بينما أطبع قبلة على خدها.

أما الجارة فأضافت: أختي الصغيرة كانت هكذا مدللة عند أمي حتى أنها كانت تستعمل مفردات لم يكن مسموح لأي منا أن نلفظها أو نقولها لأمنا عندما كنا صغاراً، أختي كانت صبية سمراء عينين سود جميلة الوجه بإبتسامة تذوب القلوب.

قلت: كانت! وبنظرة تائهة مسافرة إلى مكان بعيد قالت الجارة: نعم كانت، الله يرحمها. عمَّ الصمت الغرفة ولم أشعر بنفسي وأنا أتفرس بوجهها وقد بدأ الدمع يملئ عيني، قالت: كان هذا منذ سنة تقريباً إتصلت بي أمي من العراق بعد منتصف الليل تشكي أن أختي الصغرى – التي كانت قد تخرجت من الجامعة منذ شهر تقريباً- لم تكن على مايرام وأنها لاتدري ما تفعل، قلت لأمي أطلبي لها الطبيب… بعد ساعتين تقريباً إتصلت أمي ثانية تقول أنهم أخذوا أختي إلى العناية المركزة حيث أنها دخلت في غيبوبة، لم أدري ما أفعل غير أن أدعي إلى ربى هذا كل ما في يدي وأنا هنا بعيدة عن الوطن… بعد ساعات إتصل أحد أقربائنا ليقول أن أختي قد توفت!

أحسست أن الزمن توقف هنا، حتى القهوة توقفت في حلقي لم يعد شىء يتحرك حولي حتى الدم الذى يجري في عروقي توقف، فقط دموعي التي ملئت عيني ووجهي كانت تنذرف. نظرت إلى الجارة أبحث عن تفسير في عينيها ووجهها الذي شحب فجأة!.. حسب القصة لم تقتل، هل كانت مريضة، هل إنفجر شىء حولها… مالذي يجعل فتاة في عمر الزهور تدخل في غيبوبة ثم تفارق الحياة في أقل من ليلة..

قالت: لقد توقف قلبها فجأة… قلت: كيف!.. كيف يتوقف قلب فتاة بهذا العمر فجأة؟؟ قالت: تعرفين الظروف في العراق، كان الجنود يدخلون البيوت للتفتيش في منطقتنا فجأة بين الحين و الآخر وأختي كانت فتاة حساسة.. وقد تدهور وضعها بعد أن قتل إبن خالتي وهي كانت متعلقة به وكل هذه الأسباب جعلتها تعيش بحالة حزن ..

توقف الزمن تماماً، حتى أنني لم أعد أشعر بدقات قلبي، هذه القصص نراها في التلفاز فقط.. فكرت أولاً بهذه الجارة التي لاتفارق البسمة اللطيفة وجهها كم تخفي من الأحزان والمآسي خلفها وفكرت كم كان صعبا عليها أن تسمع خبرآً كهذا وليس بيدها أية حيلة .. فكرت بالأم التي كان واضحاً أنها كانت وحيدة حتى تتصل بإبنتها التي تعيش بعيداً هنا وهي تعلم أنها لن تفعل شيء لكن صوتها قد يعزيها ويشعرها أنها ليست وحيدة…

أما فتاة الزهور، آه كم هو محزن ما مرت به حتى وصلت لهذه المرحلة.. حتى استسلمت وقرر قلبها التوقف.. قد يكون قريبها هو السبب الوحيد الذي كان يبقي قلبها ينبض حتى لو لم يكن بداعي العشق! هناك علاقات أقوى من مشاعر العشق كما أعتقد… والآن وقد رحل عنوة عن الدنيا لم يعد يريد هذا القلب أن ينبض.

ياترى كم زهرة تموت كل يوم… كم زهرة تقهر كل يوم في بلادنا… كم يكفي من الحزن لتفارق الزهور الحياة

*إلى جارتنا التي لا تزال البسمة لا تفارق وجهها. إلى كل زهرة لازالت متمسكة بالحياة وتعيش على الأمل!

كتبت عام ٢٠٠٩ مع بعض التعديل اليوم.

0 views0 comments

Recent Posts

See All