• مارسيل العيد

كلّهُ بسببي

أطلقتُ صرخًة قوية في اللحظة التي استوعَبَ عقلي ما رأته عيناي!

إنها الواحدة صباحًا، ذهبتُ لأقضي حاجتي في الحمام، ووجدتها هناك بلا لون ولست أعلم إن كانت تتنفس!

صرختُ من خوفي، هل ماتت؟؟

هل كان السبب شجارنا البارحة؟ لأنني أردت أن أستخدم حاسوبها للعب قليلًا؟ هل آلمها وجودي في غرفتها؟ ما الذي فعلته لتموت! هل ماتت؟

صرخت من جديد لأجد أمي وأبي قد زُرعا أمامي، حاولا قلبها وحَمَلها والدي، كان وجهها لايحمل أية تعابير، وتدلت يدها إلى الأسفل، وعلمت أنها قد ماتت لا محال…. وقد أكون أنا السبب!

ركضت أمي لتجلب الهاتف، طلبت مساعدةَ الإسعاف وهي ترتجفُ وتبكي محاولةً لفظَ بعض الكلمات المفهومة. وصفت لهم حالتها وكيفَ وجدناها… لم تذكر أنها ميتة! أتسائل لِمَ؟ هل أُخبرها بأنها ميتة؟ أم أنها تَعلم وتريدُ التستر عليَّ، فأنا قد أكون السبب في موتها، لقد أغضبها وجودي البارحة.. هذا ما قالته لي!

احاط أبي وأمي بها، طبعَت أمي قبلاتٍ على رأسها وعينيها ويديها والدموع كانت تغسل وجهها، لم أرى أمي تبكي هكذا من قبل! إذًا، قد ماتت!! أراد أبي تهدأتها لكنه كان يرتجف من الخوف وقد فارق اللون وجهه. لم ينظر نحوي أبدًا، هل هو أيضًا يعلمُ بخلافنا البارحة؟ لقد صرخت بوجهي وطردتني خارجَ غرفتها… لكنني قلت لها شيئًا شريرًا، قلت لها إنني أكرهها، ولهذا السبب قد ماتت الآن!

وصلت سيارة الإسعاف وكان الجميع قد غيّر ملابس النوم وأمرتني أمي بأن أفعل هذا أيضًا، وذهبنا جميعًا مع المسعفين.

وضعوها على سرير لديه دواليب صغيرة في كلّ جهة، ووضعوا شيئًا على وجهها وكأنه قناع، لم ينظر أحدٌ نحوي، وكأن الجميع يعلم بأنني سبب هذه المصيبة! جلسنا في السيارة وانطلقنا نحو الطوارئ. هذه السيارة كبيرة وتحمل الكثير من المعدات والآلات، لكن المكان كان ضيقًا، رغم انه كان أكبر من الجزء الخلفي لسيارة والدي!

هي لا تتحرك، بينما المسعف ووالديَّ يتحركون ويتحدثون كثيرًا. ألا تُزعجها تلك الضجة الصادرة عنهم وعن تَحركِ بعض المعدات، وصوت سيارة الإسعاف الحاد؟ لكن هل يسمع الميتين الضجيج؟

وصلنا، وفجأة وبسرعة قُصوى لم يتسنى لي خلالها ملاحظة الأحداث، وجدتنا داخل قسم الطوارئ وقد تم دفعها على ذلك السرير السريع إلى غرفةٍ وُضعَ فوق بابها لمبة حمراء. أما نحن فقد جلسنا في الإنتظار و إنهارت أمي من البكاء!

لقد رأيت في فيلمٍ يومًا أناسٌ في مثل وضعنا، وفي الفيلم قالت الفتاة أنه عليهم أن يصلّوا… فكرت، قد أفعلَ الشيء ذاته، أعلم أنها ميتة لكن قد تساعدها صلاتي، لكن ما الذي أقوله؟

جلستُ أراقب والديَّ وقررت أن أبدأ بهذه الكلمات: يارب، أنا أعلم أنها ماتت بسببي وأعلم أنك تعلم هذا أيضًا. لكن، إن ساعدتها، أعدك بأن لا أتلفظ بكلمات شريرة، وأن أكون ولدًا مجتهدًا، وأساعد ماما وبابا في البيت، وأن لا أضرب كلب الجيران… نعم لقد ضربته الأسبوع الماضي، أه أعلم أنك تعلم هذا أيضًا. يارب ساعدها!

غفوتُ في لحظة تعبٍ…

استيقظت لأجد نفسي على سرير صغير، يحمل دواليب أيضًا. صرخت من رعبي، هل متُّ أنا أيضًا!!

جاءت أمي راكضة على إثر صراخي، هدأتني وشرحت لي أننا بالمستشفى وأنني غفوت…

حسنًا لستُ ميتًا إذًا، مثلها! نظرت لي أمي مستغربة، شرحت لي أنها لم تَمت!

هل أنقذتها تلك الصلاة الصغيرة التي تَلوتها، أم أنها لم تكن ميتة أصلًا؟ ما الذي أصابها إذًا!

سألتني أمي إن كنت أودُّ أن ألقي نظرةً عليها عبر الزجاج، لكن هل ستكون صاحية وتخبرَ الجميع بأنها ماتت بسببي! أمي قالت أنها لا تزال نائمة، ونحن سننظر إليها من الخارج.

حديثٌ يدور بين أمي وأبي، قال الأطباء أنها تعاني من مشاكل في الهضم من كثرة الإستفراغ المفتعل!! لكن لِمَ تفعل هذا! هل لأنني عبثت بأغراضها ووجدت تلك الأدوية الغريبة! هل أنا السبب!

بعد ساعات من نومي من جديد، استقيظتُ على صوت أمي تخبرني بأنها استيقظت… أخيرًا سأعرف السبب! لكن هل تريد أن تتحدث إلي؟ أم أنها أصبحت تكرهني! هل ستقول لي أنها لا تريد رؤيتي إلى الأبد…

دخلتُ إلى الغرفة، هي تَنظرُ نحوي بوجهٍ شاحب متعب، غدرتني دموعٌ كنت قد خبأتها منذُ اللحظة التي وجدتُها فيها على الأرض، صرختُ وأنا أبكي بأنني آسف وأنني لن أعذبها بعد اليوم وألعب بأغراضها وأنني سأعطيها من الشوكولاتة التي اشترتها أمي لي لتأكل معي، لِمَ لا تأكلين؟ هل تريدينني أن أترك المنزل لتصبحي أفضل؟ لِمَ لا تأكلين؟

حضنتني أمي بقوة وهي تبكي وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها، قال أبي أنه لا ذنب لي وأنها تحبني جدًا، لقد حَزِنَت جدًا حين عَلمت بأنني من وجدها في غيبوبة. استدعتني وقبلت يدي، أخبرتني بأنني أجملُ شيء في حياتها وأنني لست مسؤولًا عن ما حصل!

لِمَ لا تأكلين إذًا!!

حسنًا، لقد دار حوارٌ مطوّل بين الكبار، لكنني فهمت أن أختي الكبرى كانت تتعرض للتنمير في المدرسة، ولتكون مقبولة كان عليها أن تصبحَ نحيفة جدًا مثل عود “الشيبس” الذي آكله! لكن أختي كانت ناجحة جدًا ومميزة، صوتها رائعٌ ورسمُها مثلَ الخيال، ما الذي يجعلها تستفرغ الطعام كل يوم لتصبح مقبولة!! أردت أن أخبرها بأنها أجمل شيء في حياتي بعد أمي وأبي والشوكولاتة، هي مميزة أكثر من الشمس التي أرسمها في حصّة الرسم، فلِمَ تأبه بالمتنمرات!

أحيانًا أشعر أنني لن أفهم البنات يومًا ولا الكبار! عالمهم غريب.. أليس من الأفضلِ لهم أن يَنضَموا إلى حفلةِ الشوكولاتة والبطاطس والسندويشِ بأنواعهِ، والذي حضّرتهُ بنفسي لأختي لدى عودتها إلى المنزل، وبالطبع أكلت أنا مُعظمهُ!!

0 views0 comments

Recent Posts

See All