• مارسيل العيد

كوارث طبيعية

أجلس في المقهى أنتظر صديقي وأنا أحتسي القهوة، يجذب انتباهي التلفاز الذي كان يُعرض عليه فيلماً وثائقيا عن الكوارث الطبيعية وقد صُوّرت لحظة وقوع الكارثة وأكثر لقطة شدت انتباهي هي لحظة وقوع زلزال ضرب مدينة ما والتي لم أعرف اسمها لان التلفاز كان على وضعية الصامت. هزتني الصور وقلت: يالله، ما يحصل عندما تغضب الطبيعة وتبدأ برمي كل شيء من حولها وكأنها في مرحلة غضب عارم. تتحرك الحياة والأحياء بحركة عشوائية لا إرادية خارجة عن سيطرتهم لكنها تحت سيطرة الطبيعة الهائجة وقد يكفي غضب خمسة دقائق لتدمر وتهدم وتقتل الكثيرين وتقلب الدنيا رأسا على عقب وقد لا تكفي خمس سنوات لإعادة بناء ماتهدم. نظرت إلى صديقي الذي وصل وجلس وطلب قهوة ولم أشعر به من شدة انسجامي مع البرنامج الوثائقي. سألني صديقي مستغربا “مالذي يحدث، هذه ليست أول مرة تشاهدين وثائقي كهذا؟” أجبت وانا لا أزال في حالة الحيرة والدهشة، تعلم، أكيد أن المشاهد التي رأيتها كانت صعبة وأكيد أنها كانت مفاجئة ومؤلمة لدرجة أنني لم أشعر بوصولك، لكن المشاهد لم تُذهلني بقدر ردة فعلي!” أضفت: “البارحة شاهدت تقريرا عن الحرب التي تدور في بلدي وعن التصفية الطائفية التي تدور حاليا بين الطوائف من نفس الديانة والتي يقضي بها العديد من البشر! عندما رأيت التقرير البارحة، بكيت وتقززت حتى أنني شعرت بالإعياء لرؤية طريقة الغضب الدامية واللاإنسانية التي يفرغها كل طرف في الآخر. اليوم أنظر إلى غضب الطبيعة وأحزن جداً لكنني لم أشعر بغضب وإعياء وثورة عارمة، كل ما فعلته هو القبول بما حصل! لكن عندما يكون العنف والدمار ناتج عن ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان فإن هذا يجعلني ساخطة وغاضبة لا بل أشعر بالإهانة والعجز أمام ما يحصل. اليوم فقط عرفت أن الكوارث الطبيعية مدمرة وجبارة وقادرة على أن تهدم وتقتل وتغير خارطة بلاد، لكننا بعدها نقف من جديد يدا بيد لنبني ونعمّر ما هدمته الطبيعة ويكون لدينا الوقت لنحزن ونبكي على أحبابنا وأصحابنا الذين قضوا في مثل هذه الظروف. أما الكوارث التي يسببها الإنسان مِن قتل وذل وإهانة وتخريب وتدمير بكل وحشية، لا يمكن لأحد أن يقوم ويبني ما هُدِم ولا يقف بعدها أحد ليحزن أو يبكي أو حتى يدفن أحبابه وأصحابه من قضوا. الكوارث البشرية تُصنع عن سبق إصرار وعن معرفة تامة لما يحدث ونتائجها، الكوارث الإنسانية تُدمر روح وكرامة ونفس الإنسان قبل أن تسلب منه بيته وأرضه وأحبائه وأصدقائه. الكوارث البشرية لا تمت للإنسانية بصلة، هي أقرب للوحشية والحيوانية. اليوم عرفت أن ما تهدمه الحروب قد يحتاج لسنين وأجيال كثيرة لإعادة بناءه ومن يعلم هل يستطيع الإنسان بناء ما هدمه بيديه!!

0 views0 comments

Recent Posts

See All

المستقبل

‏ماذا أود أن أكون في المستقبل