مقابلة حصرية

Updated: Nov 8, 2020

“لم أعد أحتمل”

كانت هذة آخر جمله صرخت بها قبل أن تترك عيادة الطبيب النفسي!

توجهت نحو الباب الخارجي بخطوات غاضبة سريعة، سحبت محفظتها بعد أن كررت موظفة الإستقبال التسعيرة المعتادة. دمدمت بكلمات بالكاد تكون مسموعة وبلغة لا تفهمها الموظفة: “حرامي.. كل هذا المبلغ لأخبره كم هو تافه!”.

 دفعت المبلغ وقد بدأ صبرها ينفذ مع بطئ موظفة الإستقبال، التي شعرت بنظرات السيدة وكأنها تخترق جمجمتها!

فتحت باب العيادة بعصبية معلنة خروجها بطرقة واضحة متجهة نحو المصعد، انتظرت و هي تراقب الأرقام التي تتغير مع حركة المصعد هبوطًا. “بناية بخمسة عشر طابق ولا يوجد فيها إلا مصعدين فقط، ما هذا الغباء!!” فكرت و هي تتعامل مع غليان دمها المتزايد.

وصل المصعد الطابق الثاني، كان خاليًا تماما مما أعطاها وقتًا لتتنفس وتفكر. كانت تسمع دقات قلبها التي خُيّل لها بأنها ستمزق صدرها و تنفجر خارجا.

غطت عينيها بنظارات شمسية وانطلقت بخطوات سريعة نحو سيارتها، وهي تراجع أحداث اليوم في رأسها الذي لم يعد يحتمل أي حدث إضافي، تتابع سيرها ورأسها منخفض قليلًا  نحو الأسفل.

هي لم تعد تحتمل كل هذا الضغط و شعورها بالعجز رغم كل تلك المحاولات لإصلاح الوضع. حضرت كلّ الجلسات التي دُعيت اليها، ودفعت ثمنَ أتعابِ ذلك الطبيب النصّاب، بالرغم من أنها لم تكن فعلا تتعالج عنده، بل هو من طلب مساعدتها!

الطبيب كان قصيرًا، جسده كالمربع لا ملامح له، عيناه صغيرتان وأنفه صغير بالمقارنةِ مع وجههِ الذي يتناسب مع تربيعة جسده. يبلّل يده بالمياه كلما أراد أن يثبت الخصلة اليتيمة المتبقية من شعره في الجزء الأمامي من رأسه. يسحبها من جهة اليسار إلى اليمين و بهذا يضمن تغطية الفراغ الذي في مقدمة رأسه ومنتصفه. كان يرفع كرسيه الى الحد الأقصى حتى يظهر هو من خلف طاولة المكتب. و يكرر كلمة “اممم.. اممم..”. لم يكن يخجل من الرد على هاتفه المتحرك حتى خلال الجلسه! في البداية كان الموضوع مقبول، لكن عندما أصبح يتكرر في منتصف الحديث لمرحلة تفقدها أعصابها و يبدو عليها الإنزعاج، و لكن حتى هذا لا ينهيه عن الرد على المتصل، حتى تعبر عن استياءها من هذا التصرف، فيرد بكمية من الإعتذارات وهو يخبرها بعضًا من قصصِ المرضى الآخرين في سياق الإعتذار.

أخبرته يوما بأن تلك القصص هي آخر اهتماماتها و بأن اعتذاره غير مقبول فأجابها بوجه مكفهر: “اممم.. أعتقد أنه يجب أن أصف لك بعض المهدئات فقد أصبحتِ عصبية مؤخرا!”.

في كل مرة كانت تترك العيادة كانت تحلف بأنها لن تعود اليها، ثم تعود وتفكر بأن عودتها الى هناك هي من مصلحة الجميع، ليعود و يتكرر نفس المشهد!

تذكرت أول لقاء لها مع الطبيب النفسي، كان شكله الغريب أول شيء لفت انتباهها و كان جمالها و أناقتها أول ما البكه..

“زوجك مريض بالإكتئاب”.

“مالذي يجعله مكتئب؟” سألت..

”اممم.. ظروف الحياة والعائلة والعمل والضغوطات… و.. اممم…”

ـ”ماذا يا دكتور، هل أنا سبب لاكتئابه أيضا..؟”

-“اممم.. لست متأكد..!”

في عيادة الطبيب  شهادتين في إطار من الطراز القديم، تشهد على أنه تخرج من جامعات بريطانية معروفة بتميز! لم يكن تميزه المعلق على الحائط يومًا معكوس في كلامه وتصرفاته. واليوم وبعد أن إتهمها بأنها مضطربة نفسيًا وعليها أن تتناول حبوب لمعالجة الإكتئاب، توصلت إلى أن تلك الشهادات هي من النوع الذي يُصدّر لتزيين الحائط فقط.

وصلت إلى الموقف حيث تركت سيارتها وهي تنفض الأفكار من رأسها، كان الموقف بعيدًا عن العيادة بعد أن بحثت لمدة طويلة عن موقف لسيارتها ولم تجد إلا هذه البقعة في هذا الطقس الحار.

هناك على زجاج نافذة سيارتها الأمامي تقبع مخالفة وقوف! يبدو أنه قد مضى على وجودها أكثر من الساعة المدفوعة مسبقًا. التقطت الورقة بيٍد مرتجفة وتبادر الى ذهنها جميع أنواع اللعنات والمسبات التي انهالت بها على تلك القصاصة الصغيرة، لعنت يومها، والطبيب، والمواقف، والسيارات، وحياتها واليوم الذي قررت به أن تأتي إلى هذا المكان من أصله.

أغلقت باب السيارة بعنف وقلبها ينبض من عروقها، كانت حرارة السيارة الداخلية ترتفع مع ارتفاع نسبة الغيظ والغضب والحزن الذي لم يكن سببه المخالفة لكنها كانت نقطة الانفجار المكبوت منذ فترة طويلة مما جعل المكان جحيما ملتهبا.

فكرت… “مالوجهة القادمة؟”

يصدح صوت الراديو بعد أن أدارت المحرك، يعلن المذيع عن ضيف البرنامج، الطبيب النفسي المميز الحاصل على شهادات من جامعة كذا البريطانية في مقابلة حصرية على الهواء مباشرة!

*image is copied from google search

#arabic #doctor #psychologist #Story


0 views0 comments

Recent Posts

See All

المستقبل

‏ماذا أود أن أكون في المستقبل