مكدوس

Updated: Nov 8, 2020

حان الوقت، ركضت من المطبخ لدى سماعها موسيقى الشارة بإتجاه غرفة الجلوس. اليوم وبعد مرور وقت طويل من المتابعة قررت أن تكون جزءا من برنامجها المفضل!

كانت قد كتبت الرسائل على أوراق مختلفة، بالرغم من أنها ستبعث بها كلّ على حدى برسالة نصّية، لكنها آثرت أن تكتب كل رسالة على ورقة، أرادت أن تعطي رسائلها خصوصية.

تظهر مقدّمة البرنامج، التي لم يعد للعمر مكان في ملامحها، خصوصا بعد أن دخلت عليها تحسينات وتغيرات وأعادتها في الزمن إلى الوراء. تعوّد الجميع أن يرى هذه السيدة في هذا البرنامج وكأنهما خُلقا سَوِيًّا، ولأن التغيير في شكلها تمّ قبل أن تظهر آثار الزمن على هيئتها، لم يعد للزمن قيمة!

تُرحب المقدّمة بمشاهديها الكرام وتشكرهم على المتابعة، وتوجّه ترحيب خاص إلى متابعيها المنتظمين. تبتسم هي وتقول: أهلا بكِ وبطلتك! وكلّها ثقة أن الترحيب الخاص كان لها.

كالعادة، يبدأ البرنامج بأغنية من إختيار “الكونترول”، بينما تبدأ الرسائل وطلبات الإهداء تنهال على البرنامج.

تبدأ بكتابة أول رسالة: “أُهدي سلامي إلى أخي في الغربة وأقول له أن بئر الماء يعمل جيدا، مع الشوق. م.ص”

تبعث بالرسالة النصية وقد امتلئ وجهها بالدماء، شعور غريب وكأن العالم أجمع ينظر إلى رسالتها، ويقرأها ويعلم جيدا من هي! تفكر، ماذا لو لم يختاروا رسالتي؟ تنفض رأسها لتبعد هذه الفكرة الغبية التي قد تسرق فرحتها.

تقرر أن تبدأ بطباعة الرسالة الثانية: “قبلاتي الحارة إلى ابني أبو سارة وزوجته وأبناءه، أهدي لكم هذه الأغنية ومحبتي، ملاحظة: أتمنى أن يكون قد أعجبكم المكدوس. م.ص”

تتردد قبل أن تبعث الرسالة، تبدو لها طويلة بعض الشيء! في هذه الأثناء تعلن المقدّمة عن مجموعة الأغنيات القادمة، والتي طلبها أصدقاء البرنامج الدائمين: ف.م وأبو محمود و الصديق أ. ع!

تبدأ الأغنية الأولى من المجموعة، وتقرأ شريط الرسائل الذي يحمل الكثير من الأشواق والإهداءات والعتاب والغرام. تعود لرسالتها الثانية بتصميم أكبر: “قبلاتي الحارة إلى ابني أبو سارة وأم سارة والأحفاد، أتمنى أن يعجبكم المكدوس.” فكرت بأن هذه ستكون رسالة أجمل وفيها فائدة، أرسلتها وهي تتمايل على أنغام الأغنية التالية، كانت المفضلة لديها، ولا تزال تقرأ الرسائل. تمرّ رسالتها الأولى على الشريط، تنتفض، تقفز من مكانها وتصيح وهي تضحك: رسالتي… نشروا رسالتي… هذه أنا .. م.ص.

بدأت بطباعة الرسالة الثالثة بعد أن هدأت قليلا: “إلى صديقة العمر، الحياة قصيرة والجفاء قاسٍ فلننسى الذي مضى. م.ص” سحبت هذه الرسالة الضحكة التي كانت على وجهها وبدأت بعض الدموع الخجولة بالظهور في عينيها. لم يكن الخلاف بينها كبير، لكن الأنانية والتكبر جعلا الهوة بينهما كبيرة! هل ستقرأ رسالتها؟ هل لا تزال تشاهد برنامجهم المفضل؟ أرسلت الرسالة الثالثة، وبدأت الأغنية الأخيرة من المجموعة الأولى..

تقرأ بين الرسائل: “إلى م.ص، مبروك عليكم البئر يا أختي، محبتي وأشواقي. أخوكي”

ملئت الدموع عينيها، هذه المرة ليس حزنا بل فرحا. شعرت بأنها ليست وحيدة كما كانت تظن. ها هو يشاهد البرنامج ويتابع الرسائل كما كانا يفعلان في أيام الشباب. أطلقت تنهيدة عميقة مع ابتسامة رضى، ودمعتين سقيا خديها!

الرسالة الرابعة: “من م.ص إلى أ.ش… هل لازلت موجودا؟ أهدي لك هذه الأغنية.”

تسارعت دقات قلبها وهي ترسل رسالتها الرابعة دون أن تراجعها أو تقرأها مرتين.

كانا يتوقعان الأغاني في كل حلقة، يتبادلان الإهداءات عبر الهاتف، أحيانا كان يقول لها: أهديكِ الأغنية القادمة قبل أن تعلن عنها مقدّمة البرنامج. في بعض الأحيان تكون الأغنية المفضلة وتشعر بأنها محظوظة، وأحيانا تكون من الأغاني المملة فيضحكان على حظهما العاثر! وهكذا استمرا في متابعة برنامجهما المفضل “ما يطلبه المشاهدين” على مرّ الزمن في منزلهما المتواضع ويضحكا على إهداءات العشاق. كان رغم التعب والحياة القاسية، يجلس بجانبها وهو يستمتع بالمجدرة ويقول: يوما ما سأبعث لك رسالة على البرنامج لتقرأيها، لكن أتمنى أن تكون الأغنية على ذوقك وما تفشلني!

تتابع الأغنية الأخيرة بعد أن شكرت مقدّمة البرنامج جميع من ساهموا في نجاح هذا البرنامج، والذين بعثوا برسائلهم وأمنياتهم، واعتذرت من الذين لم يبثوا لهم الأغنيات المطلوبة لضيق الوقت أو لتعذَّر الحصول عليها.

تقرأ على شريط الرسائل: “إلى م. ص، أنا متأكد أنه يشاهد ويستمتع برسالتك من السماء، محبتنا لكِ أمي الغالية، والمكدوس رائع”.


#arabic #Memories #Story #قصةshortstory


0 views0 comments

Recent Posts

See All

المستقبل

‏ماذا أود أن أكون في المستقبل