ماهر





أين ماهر؟ هذا كان سؤال أمي قبل أن تسافر في إجازة قصيرة عن ماهر الميكانيكي الذي تعودت أمي تصليح سيارتها عنده وقد يكون السبب الأول لهذا أنه “ابن البلد”. تعرفنا على ماهر قبل أن يبدأ قرار نقل جميع محلات تصليح السيارات إلى المصفح، كان لدينا مشكلة في الدولاب وقد وجدت أمي ذلك المحل بجانب منطقة سكننا وكان ماهر شهم جداً وقال لامي: ما يهمك خالة بيصير!

تعودنا مع الوقت تصليح سيارات البيت التي هي خارج الوكالة عند ماهر، الذي لا أعرف حتى اسم محله! أما ماهر فهو رجل في منتصف الثلاثين اسمر جميل الملقى له عينين بلون العشب.

في البداية كنت مجرد السائق لأمي عندما كانت تتعطل إحدى السيارات لكن مع الوقت صرت أنزل من السيارة وألقي التحية على ماهر الذي كان يلاقينا بابتسامة لطيفة. وبعدها تكررت مرات ذهابي مع أمي وفي إحدى المرات كان صوت ماهر حزين جداً على الهاتف حيث سمعت أمي تقول له: العمر إلك، الله يصبركم! يبدو أن أخ ماهر الصغير كان يقاتل في درعا وقتل. يقاتل مع من وضد من هذا ليس موضوعنا لانه في سوريا لم يعد القتال في سبيل هدف سامي وهذا يشمل جميع الأطراف برأيي.

مرت تقريباً سنة وبدأت أمي تُحضر لإجازتها التي لن تكون في سوريا وبالتالي لم تكن أمي سعيدة لكنها ذهبت على مضض، وقبل أن تسافر ظهرت مشكلة جديدة في السيارة وكالعادة اتصلت بماهر وعلى الخط من الجهة الأخرى رد أخو ماهر الأكبر وقال أنه مشغول لكنه سيأتي لمساعدتنا. لم تقتنع أمي كثيراً بكلامه لكنها قالت حسناً لكن أخبر ماهر أن يتصل بي عندما يكون فاضي! تأخر الأخ وأمي كانت ترتب أغراضها وبدت متضايقة من هذه الخدمة البطيئة التي يقدمها الأخ وقررت أن تتصل مرة أخرى وقالت: أين ماهر؟ قال الأخ: ماهر مشغول ياخالة. قالت: لا ماهر ليس مشغول، أين هو ماهر. ساد الصمت قليلا ثم رد الأخ: ماهر ذهب إلى درعا ليطمئن على العائلة، قالت أمي: لا لم يذهب للإطمئنان بل ليحارب.. يا خالة الله يخليك إتصل بماهر وقُل له هذه الحرب ليست حربنا.. فليرجع لعمله ويضع عقله برأسه والله يحميكون.

سافرت أمي وأختي وأخذ الأخ السيارة وكنت أنا وأخي على إتصال لنتابع السيارة التي أخذ تصليحها أكثر من المعتاد وقلت في نفسي: أين ماهر كان سيعطينا أولوية! بعد يومين جلب الأخ السيارة وكنت أزور بيت أخي وسألته عن السيارة وسبب التأخير! لم ينظر حتى لي وشغل نفسه بمفاتيح السيارة وقلت: يبدو ان هذا الأخ بطيء! عندها نظر لي وقال: قال لي الأخ أنه كان عندهم ظرف… ماهر قُتِل!!!! لهذا اليوم لست أعلم إن كان نفسي الذي توقف أم قلبي لأنني لم أتحرك لمدة وأحسست وكأن باص دعمني! كل ما فعلته هو أنني خرجت من المنزل وجلست في سيارتي وبدأت أصرخ وأبكي بصوت عالٍ غير مصدقة ما حدث.

إلى هذا اليوم لا تزال تلك المشاعر تهاجمني بالرغم أن ماهر كان فقط المكنيسيان ابن البلد. لست أعلم إن كانت أمي قد عرفت أن ماهر قد مات ولم أجرؤ على إخبارها! أما الأخ…. فقد ذهب إلى درعا ليطمئن على العائلة!!!

0 views0 comments

Recent Posts

See All